آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة محمد شحاتة
  5. صندوق سيمون
⭐ 0 / 5

وقفت قدَّام المِراية وبحلقت في ملامحي، مَعرفش ليه حسِّيت إن وشِّي مجرَّد لوحة قديمة وبهتانة؛ تفاصيلها انطَمَسِت مع الزمن، دَه غير إنها اتحوِّلت لتفاصيل مُشوَّهة وذميمة.

دي مكانتش أوِّل مرَّة أشوف نفسي فيها بالشَّكل دَه، بالعكس؛ سنة بحالها وأنا بَشوف نفسي كِدَه، دقني طويلة وشَعري مَنكوش، لون بشرتي بقى باهت وعينيَّا دخلوا لجوَّه وقرَّبوا يختفوا من وشّي، حتى جِسمي نفسه اتنحَت لدرجة إن شويِّة وهبقى مجرَّد هيكل عظمي عليه طبقة من الجِلد الدَّبلان. وكل دَه ليه؟ عشان خسرت مشروعي اللي تِعبت فيه؛ ولمَّا انتهيت منُّه؛ قدِّمته لشركة برمجة أخدت من صاحبها وعد إني هاتعيِّن فيها بمرتب خيالي، وإن المشروع هايكون باسمي، وده عشان تنفيذ الفكرة يكون تَحت إشرافي، والنتيجة إنه سرق الفكرة ونفِّذها، وأنا قعدت عاطل بدون شُغل، وده في حد ذاته اتسبِّب في أزمة تانية، وهي إن حبيبة عُمري سابتني بسبب ضغط أهلها واتخطبت لواحد تاني جاهز من كل حاجة، والخطوبة فات عليها سنة وزمانهم قرَّبوا يتجوّزوا، دَه لو ماكانوش اتجوّزوا أساسًا. 

من وقت اللي حصل معايا واتحوِّلت لشبح؛ كائن مش مفهوم ومفيش حد فاهم هوَّ عاوز إيه، عشان كِدَه قرَّرت أعتزل في أوضتي، مابقتش عارف حاجة عن الدنيا غير الأساسيات، يعني مثلًا إننا في الشتا، وإن أبويا وأمي الله يرحمهم سابوا لي مبلغ في البنك، دَه اللي يادوب مكفّيني وعايش منُّه على قدّي، دَه أنا كمان سايب الفيزا مع البواب عشان يسحب لي منها فلوس ويشتري شويّة أكل يساعدوني إني أفضل عايش. من الآخر؛ كرهت كل حاجة حتى المِراية اللي بقف قدَّامها يوميًّا، وبتفكَّرني بكل التفاصيل دي بمجرَّد ما أشوف ملامحي فيها.

بَس في الليلة دي الحكاية اختلفت، أصل بعد ما وقفت قدام المِراية وافتكرت شريط أحداثي الكئيبة، قرَّرت أبعد عنها، لكن لمَّا اتحرَّكت اكتشفت إن صورتي المعكوسة فيها لسَّه مَحلَّك سِر، فِضِلِت واقفة زي الصَّنم ورفضت تتحرَّك!

رجعت وبحلقت في المِراية من تاني، صورتي كانت بتبتسم، برغم إن ملامحي مابتسمِتش من فترة طويلة، وقفت مذهول من اللي بيحصل، ساعتها لقيت صورتي بتنطق وبتقول لي:

-مستغرب من إيه يا سيف؟

لمَّا سمعت الصوت توقَّعت إن اللي بيحصل تهيؤات، مستحيل صورتي تعمل حاجة أنا ماعملتهاش، لفِّيت حوالين نفسي وبصِّيت في الأوضة، وده عشان أتأكِّد إن مفيش حد دخلها وأنا واقف سرحان في ملامحي البَهتانة، ولمَّا رجعت للمراية من تاني؛ شُفت صورتي عادية، كانت ظاهرة بنفس الكآبة اللي متعوِّد عليها، انتظرتها تتكلّم أو تعمل أي تصرُّف غريب، لكن الوقت فات ومحصلش حاجة، اتحرَّكت من قدام المِراية وصورتي اختفت من عليها، لكن بمجرَّد ما عيني جَت على ركن من أركان الأوضة؛ لقيت نَفسي بتنَّح من تاني، ودَه لأني شُفت صورتي معكوسة في الرُّكن دَه بدون ما مِرايات أو أي سَطح عاكس، وبعد ما الذهول سيطر عليَّا شويَّة صورتي نَطقت وقالت لي:

-من لحظات بَس كُنت مجرَّد صورة لانعكاسك في المِراية يا سيف، لكن أنا زهِقت من الحَبسَة اللي كُنت فيها، حتى ملامحك بَهتت على ملامحي وبقيت شبَه الزُّومبي، قرَّرت أخرج برَّه حدود المِراية، وبالمناسبة أونِّسَك بدل ما أنت قاعد بين أربع حيطان ومعتزل الدنيا. أنت ليه بتعمل في نفسك وفيَّا كِدَه؟

حاولت أتخلَّص من الذهول اللي كُنت فيه، وعشان أشبع فضولي وأفهم إيه اللي بيحصل سألته:

-أنت مين؟ وإزاي أنت شبهي بالطريقة الغريبة دي؟

في اللحظة دي اتحرَّك من مكانه، بدأ يلِف في الأوضة بخطوات بطيئة وهوَّ بيقول لي:

-تِقدر تعتبرني صديقك الوَفي، الوَنيس اللي قرَّر يبقى معاك بعد ما الدنيا فضيِت من حواليك، أمَّا حكاية الشبه دي، فأحِب أقول لَك إن شكلي كان ممكن يكون أحسن من كِدَه بكتير، لولا بَرميل الكآبة اللي أنت ناقع فيه نفسك، وبالتالي شَكلي اللي أنت رافض إنه يكون مطابق لشكلك مُش عاجبني، عن نفسي مُش بحِب دقني تبقى طويلة ولا شعري منكوش، بَس زي ما قُلت لك من شويَّة، أنت اللي عامل في نفسك وفيَّا كِدَه.

غمَّضت عيني وحطيت إيدي على وداني وأنا بقول لنفسي: "كفاية بقى يا سيف؛ أنت بتكلِّم نَفسك، يظهر إن عُزلتك في الأوضة الفترة اللي فاتت هَنِّجت دماغك".

حاولت أقنع نفسي إني بَهلوِس، وهي دي الحقيقة، أصل مين بيلاقي نسخة طبق الأصل منُّه واقفة قدامه؛ لأ وبتتكلّم معاه وبتناقشه كمان، لكنُّه ماعطانيش فُرصة حتّى أقنع نفسي؛ لأني فتحت عيني لمَّا حسّيت بإيد بتهزّني في كتفي، كان لسَّه موجود قدامي، ولمَّا بصّيت ناحيته قال لي:

-إيه شُغل العيال اللي بتعمله دَه يا سيف؟ بقى في واحد عاقل يحاول يقنع نفسه بحاجة عكس الحقيقة؟

حسِّيت بخنقة لمَّا لقيته بيستخِف بيَّا، ردّيت عليه بعصبيَّة وقُلت له:

-حقيقة إيه اللي بتتكلم عنها؟ أنت وَهم.

-بالعكس، الوهم هوَّ إنك توهم نَفسك إني مش موجود.

لمَّا لقيته مصمِّم على كلامه صرخت فيه وقُلت له:

-اخرُج من دماغي وسيبني في حالي بقى.

اختفى من قدَّامي في لحظة، بصِّيت في كل ركن مالقتوش، وقتها حسِّيت براحة غريبة، بدأت أتحرَّك بكامل حرِّيتي من تاني في الأوضة؛ عالَمي الضَّيق اللي بيتكوِّن من أربع حيطان، ماعرفش ليه كان عندي رغبة رهيبة في تأنيب نفسي، والإحساس دَه مُش جديد، بالعكس؛ أنا كل يوم بَلوم نَفسي ألف مرَّة إني سلِّمت مشروعي وفكرتي ووثقت في شخص مكانش المفروض أثق فيه، ومن هنا بدأت شرارة النار اللي أكلتني وحرَقت حياتي وأحلامي بالكامل، ولأن أنسب مكان في أوضتي عشان ألوم نَفسي فيه هوَّ قدام المِراية، رِجلي أخدتني لحد عندها، وقفت قدامها عشان أبُص في ملامحي الضايعة؛ اللي بتفكرني بالسيناريو الأسود اللي عِشت فيه الفترة اللي فاتت، لكن بمجرَّد ما وقفت قدامها؛ أدركت إن السيناريو اللي فات انتهى وبدأ سيناريو تاني خالص!

صورتي مكانتش معكوسة في المِراية وكأني شبح، عملت بهلوان وبدأت أتنطَّت قدامها من هِنا لهنا وبرضه مافيش فايدة، زي ما أكون اتحوِّلت لشيء شفَّاف المِراية مش قادرة تشوفه، ولمَّا خلَّصت تنطيت ووقفت أبحلق في المِراية الفاضية؛ لمحت صورة حد قاعد على طرف سريري!

كان أنا، مَعرفش إزاي المِراية عكست صورتي في مكان أنا مش موجود فيه، بصِّيت ورايا عشان أشوف إيه الحكاية بالظبط، ساعتها شُفته، كان قاعد في نفس المكان، اتكلِّمت معاه من تاني وقُلت له:

-أنت رجعت تاني؟

قام من مكانه وبدأ يقرَّب منّي وهو بيقول لي:

-أنا ماروحتش في مكان أصلًا عشان أرجع يا سيف، كل الحكاية إني لقيتك متوتّر قُلت أسيبك كام دقيقة، أصل بيني وبينك يعني، التوتُّر بيزعجني.

حسِّيت إني بتعامل مع واقع جديد بيتفرِض عليَّا، زي ما اتفرضت عليَّا حاجات كتير بدون إرادتي، دَه اللي خلَّاني آخد نَفَس عميق عشان أستعيد هدوئي وأسيطر على نفسي، وبعدها قُلت له:

-أقدر أعرف بقى أنت إيه؟

-قُلت لك: اعتبرني صديق وَفي من شويَّة، لكن واضح إن عُزلتك في الأوضة خلَّتك تنسى بسرعة، وعلى عكس برضه ما كنت بتفكَّر من لحظات، أنا مش سيناريو جديد بيفرض نفسه عليك، اعتبرني تعديل للسيناريو القديم اللي هوَّ مفروض عليك أصلًا، مُعالجة للأحداث اللي حصلت في حياتك، أنا عاوز أساعدك مش أكتر.

-بَس أنا مَاطلبتش مساعدة من حد.

-وأنا مش هستنَّى لحد ما تُطلب، عايزك تخرج من أوضتك وتبدأ من جديد، الحياة مُش بتُقف على حَد ولا بتُقف على حاجة، وأنا هساعدك تاخد حقَّك من كل اللي داس عليك.

مكانش عندي تعليق على كلامه، بَس حكاية إني آخد حقّي دي هي اللي لَفتت انتباهي في الحكاية دي كلها، مين يكره إن حقُّه يرجع لُه؟ دَه يبقى إنسان غبي اللي يرفُض حاجة زي دي، حتى لو كان الحَق دَه هايرجع بطريقه هوَّ مش فاهمها.

بمجرَّد ما خَطَر في بالي الكلام دَه؛ لقيته ابتسم وقال لي:

-زيِّ ما أنت بتفكَّر بالظَّبط كِدَه يا سيف، أنت دلوقت وقفت على بداية الطريق، معادش فاضل غير إنَّك تاخد الخطوة الأولى.

محاولتش أسأله إزاي وَصَل للّي فكَّرت فيه، فضولي أخدني لحاجة أَهَم، لقيت نفسي بسأله عن الخطوة الأولى، وساعتها قال لي:

-دَقنَك يا سيف، احلَق دقنك، مش معقول هاتخرج للعالم بعد العُزلَة بدقنَك الطويلة دي، احلقها عشان أنا كمان كاره نفسي بالدَّقن.

فَتحت باب أوضتي وخرَجت، كمِّلت طريقي ودخلت الحمام، وقفت قدام مِراية الحوض ومسكت ماكينة الحلاقة، ماكنتش شايف وشِّي، وده لأن اللي حصل في الأوضة اتكرَّر للمرَّة التانية، صورتي مكانتش معكوسة في المِراية، محاولتش أفكَّر في حاجة وبدأت أحلق عِمياني، ولمَّا خلَّصت؛ اتفاجئت إنه واقف جنبي، دَقنة كانت محلوقة، ساعتها بَص لي وقال لي:

-شُفت وشَّك نوَّر إزاي يا سيف؟ يلا بقى عشان قدَّامنا طريق طويل.

قال الكلمتين دول واختفى، خرجت من الحمام، ولمَّا رجعت أوضتي مالقتش لهُ أي أثر، انتظرته وقت طويل لكنه ماظهرش، لدرجة إني عملت أكتر شيء بكرهه عشان يظهر، وقفت قدام المِراية وبصيت فيها، لكن مش عشان أتفرج على وشِّي بعد ما حلقت دقني؛ أصلًا صورتي مكانتش معكوسة في المِراية؛ وكالعادة مفكَّرتش في السبب، كان كل همِّي إنه يظهر، لكن اللي ظَهر كان شيء تاني، ودَه لمَّا لمحت صورة معكوسة في المِراية لحاجة لونها بُنّي محروق، بصّيت ورايا ورميت عيني ناحية السرير، أصل الحاجة دي ظهرت عليه، اتفاجئت بقطعة من الجِلد قد كَف الإيد، قرَّبت منها وأنا بفكَّر هي ظهرت إزاي، مدِّيت إيدي ومسكتها، رفعتها قدَّام عيني وأنا ببحلق في صورة الدِّيب المرسومة فيها باللون الأحمر، وبدون إرادتي لقيت نفسي بقرأ الكلام المكتوب بنفس اللون: "أنا العائدُ من العَدَم، أقسمتُ عليكَ بالعهدِ المنسيِّ أن توقظَ الذئبَ الجريح لينهشَ قلوبهم، القصاصُ دَين؛ والوفاءُ به فَخ، اقبَل صوتي الذي نطقَ بحبرِ انتقامك؛ ليسقط الباغي والمجيب معًا".

نزِّلت الورقة من قدَّام عيني وأنا مستغرب الكلام اللي قرأته، مالحقتش أفكَّر في معناه، ودَه لأنّي اتفاجئت إنه موجود في الأوضة وبيتحرَّك ناحيتي، بصِّيت في وشُّه اللي كان عليه ابتسامة ماقدرتِش أفسَّرها، ساعتها قال لي بنبرة باردة:

-أنت دلوقت جاهز يا سيف؛ الدِّيب اللي جوَّاك استعاد هيبته، دلوقت تقدر تغرس مخالبك وأنيابك في قلب كل اللي داس عليك.

ولأني ما كنتش فاهم حاجة سألته:

-أنت اللي كاتب الكلام ده؟

بَص لي شويَّة بدون ما يتكلم وبعدها قال لي:

-اللي في إيدك مش مجرَّد كلام، دَه حِرز قوَّة مكتوب من قديم الأزل، ودلوقت أنت إنسان تاني بعد ما قرأته.

انتظرت لثواني وأنا بفكَّر في كلامه بعدها سألته:

-يعني المفروض أعمل إيه دلوقت؟

-تنوي إنَّك تعمل اللي في الحِرز، في الوقت دَه هتلاقي اللي هياخد بإيدك في الطريق اللي هتبدأه.

-وأنت مش هَتمشي معايا في الطريق ده؟

-اعتبرني ناصح أمين يا سيف؛ مُستشار تقدر تاخد رأيه، أنا يادوب هحُط لك الخطة اللي تحقَّق لك اللي أنت عاوزه، وأنت عليك تنفّذها.

-أومّال مين اللي تقصد إنه هياخد بإيدي؟

-طريقه ما يتوِّهش، وأنا زي ما هقول لَك كل حاجة؛ هقول لَك على طريقه.

في اليوم دَه؛ نزلت من شقّتي في وقت متأخَّر؛ ولأوّل مرَّة بعد عُزلة طويلة، أوِّل ما البواب شافني قام من على الدِّكة، بَص لي وهوَّ بيبتسم وقال لي:

-أيوه كِدَه يا بشمهندس سيف، ماحدِّش واخد منها حاجة.

ردِّيت عليه بصوت عليه بصوت هادي وقُلت له:

-مساء الخير يا عم مأمون.

-ربنا يسعد مِساك، ماتعرفش أنا مبسوط قد إيه إنك حلقت دقنك وخرجت للحياة من تاني.

ابتسمت له بدون ما أتكلِّم، بعدها كمِّلت طريقي عشان أخرج من العمارة؛ لكنه قال لي:

-رايح على فين دلوقت يا بشمهندس، الجَو برَّه تلج وبقينا في نُص الليل، والشوارع مافيهاش صرِّيخ ابن يومين.

ماحبِّتش أكتَّر معاه في الكلام؛ عشان كِدَه قُلت له:

-هَتمشَّى شوية وراجع.

من قبل ما حياتي تتقلب وأنا بعتبر عم مأمون البواب في مقام أبويا، عشان كده بياخد ويدِّي معايا في الكلام.

سيبته وخرجت من العمارة، وبمجرَّد ما بقيت في الشارع؛ رَفَعت لياقة البالطو لفوق عشان تِصُد لفَحَات البرد اللي هجمت عليا، بعدها مشيت عشان أوصل للمكان اللي طَلَب منّي أروحه، ورغم إني لحد اللحظة دي ماكنتش عارف دَه يبقى مين؛ لكن في نفس الوقت لقيت نفسي بنفِّذ كلامه بالحرف، مشيت على الوصف بتاعه لحد ما وصلت زُقاق قديم، الحيطان فيه بتفوح بريحة الزَّمن، مشيت في شوارعه الضيَّقة وأنا بنقل عيني ما بين بيبان المحلات المقفولة، وفضلت مكمِّل في طريقي وأنا بدوَّر على محل رقم "13" اللي قال لي عليه لحد ما وصلت له.

وقفت قدَّام المحل، كان الوحيد اللي مفتوح في الوقت دَه من بين المحلات، نوره أصفر شاحِب، والبضاعة اللي على الأرفف كانت عبارة عن صناديق قديمة، ماكنتش عارف أنا جاي هنا أعمل إيه؛ لكن نفِّذت طلبُه وجيت بعد ما قال إن صاحب المحل دَه هوَّ اللي هياخد بإيدي.

عيني وقعت على راجل عجوز، كان قاعد متكلفِت في كوفيَّة صوف لونها أسود، الشِّيب سَرَح في شَعر راسه، وبرغم إني بعيد عنُّه لكن قدرت ألمح التجاعيد اللي عُمرها من عُمر المكان.

اتحرَّكت ناحية المحل، وقفت على الباب وقُلت له:

-مساء الخير.

رفع وشُّه عن صندوق خشب قديم كان بيبُص فيه، بَحلق فيَّا شويَّىة وبعدها قال لي:

-قصدك صباح الخير، الساعة دلوقت داخلة على "2" الصُّبح.

دخلت خطوة جوَّه باب المحل وانا ببُص في الصناديق اللي على الأرفف وقُلت له:

-يظهر إن حضرتك دقيق جدًا.

-اللي زي حالاتي لازم يبقى دَقيق.

استغلّيت كلامه وقُلت له:

-لحد دلوقت مش عارف أنا جاي هِنا أعمل إيه، بَس اللي بَعتني قال إنك هتاخد بإيدي، ومش هَبالغ لو قُلت إني برضه مش عارف اللي بعتني هِنا يبقى مين.

رِجع يبُص في الصندوق القديم من تاني وهوَّ بيقول لي:

-مَندوب المبيعات بتاعي.

كلامه لفت انتباهي وحسِّيت إنه بيسخر منّي، لكن حاولت أتمالك أعصابي وقُلت له:

-مندوب مبيعات مين؟ وحضرتك بتبيع إيه مُش فاهم؟ وليه أنت الوحيد اللي فاتح في الوقت ده؟

-تقدر تعتبرني الفَنار اللي بينوَّر في الضلمة لأي حَد أمواج الحياة بتحدفه في مكان بعيد مابيقدرش يرجع منُّه، كل صندوق من الصناديق اللي قدَّامك دي فيه حل لمشكلة من مشاكل التَّايهين، الصناديق هتساعدك تهزم ضَعفَك وتاخد الخطوة اللي المفروض تاخدها، اعتبرني تاجر السعادة اللي هتحِس بيها بعد ما أساعدك تاخد حقَّك من اللي دمَّرك.

-تقصد إنَّك بتحقَّق أحلام الناس؟

-مُش كل النَّاس، أنا بشتغل بَس على المُحبَطين والمُكتئبين، والناس اللي بتختار العُزلة على إنها تاخد حقَّها من اللي داس عليها.

في اللحظة دي رَفع عينيه عن الصندوق اللي قدَّامه وقال لي:

-زيَّك كِدَه يا سيف.

بمجرَّد ما قال اسمي؛ حسِّيت بفجوَة ظهرت تحت رجليَّا في الأرض فجأة وإني هَسقط فيها، مِسِكت نفسي على آخر لحظة وأنا بقول في سرِّي: يعني تجاوبت مع كل الأحداث اللي فاتت وأنت مُش فاهمها؛ ودلوقت جاي تستغرب! دَه أنا تقبَّلت وجود شخص طبق الأصل منّي في أوضتي واتكلِّمت معاه، وسمعت كلامه وجيت برجليَّا لحد هنا، ودلوقت جاي تندَهش إنه عارف اسمك!

كان لسَّه مبحلق في وشّي، وبمجرَّد ما خلَّصت كلام مع نفسي قال لي:

-طاوعني يا سيف وبلاش تطاوع دماغك، لمَّا مشيت وراها انداس عليك؛ حلمَك إنك تبقى مهندس برمجة كبير اتسرق منَّك وأحلامك اتقتلت، والنتيجة إن حبيبة عُمرك سابتك لما وقعت، ودماغك خلَّتك تحكم على نفسك بالسِّجن في أوضتك وكأنَّك مُتَّهم مش مجني عليه، والجُناة اللي بجد عايشين حياتهم عادي، سيبك من دماغك واسمع كلام عمَّك سيمون.

اسمه لفت انتباهي فَقُلت له:

-اسم قديم أوي؛ سيمون، وبتقول إنَّك تاجر سعادة وبتساعد المُحبَطين والمُكتئبين. للدرجادي أنا انعزلت في أوضتي فترة طويلة والحياة اتغيَّرت وأنا مُش عارف!

قام من مكانه وقرَّب منّي، مَد إيده ناحيتي وقال لي:

-إيه الصورة اللي طلعِت لك لمَّا بصِّيت في قطعة الجِلد؟

سؤاله رجَّعني للحظة ما كنت واقف قدام المِراية في أوضتي؛ لمَّا لمحت صورة حِتة الجِلد اللي قد كَف الإيد وهيَّ معكوسة فوق السرير، وافتكرت لمَّا رفعتها قدام عيني وشُفت اللي فيها، ساعتها قُلت له:

-طلعت لي صورة ديب.

فضِل مادد إيده ناحيتي، دَه اللي خلاني أمِد إيدي في جيب البالطو وأطلَّع حتِّة الجِلد، أخدها منّي وبَص فيها شويَّة وبعدها قال لي:

-دَه من حُسن حظَّك يا سيف، زي ما هو من حُسن حظَّك إنك شُفته وبَعتك لحد عندي.

محاولتش أستفسر منُّه عن اللي فات؛ لأن فضولي خلَّاني أنتظر الخطوة الجاية، وده اللي حصل بعد ما خلَّص كلامه وقال لي:

-دلوقت جِه دور إنَّك تشوف صندوق من الصناديق اللي قدامك، عشان تعرف الخطوة الجاية في طريقك هَتكون إيه؟ كل اللي عليك إنك تختار صندوق، هَتفتحه وهَترمي فيه قطعة الجِلد بعد ما تقرأ الكلام المكتوب فيها من تاني، وبعد كِدَه هتبُص في الصندوق؛ وهوَّ هيخلِّيك تشوف اللي أنت مش عارف تشوفه.

بصِّيت بعيني في المحل، عيني جابت الصناديق كلَّها من أوِّلها لآخرها، كلها خلَّتني أحِس بنفس الرَّهبة برغم إن أشكالها مختلفة، لحد ما قرَّرت أختار أي صندوق عيني هَتقف عَنده.

وفعلًا؛ شاورت لعم سيمون على صندوق قُريِّب، ولمَّا جاب الصندوق من فوق الرَّف حَطُّه قدّامي، بعدها ناولني قطعة الجِلد، مسكتها وبصّيت فيها من تاني وبدأت أقرأ الكلام المكتوب: "أنا العائدُ من العَدَم، أقسمتُ عليكَ بالعهدِ المنسيِّ أن توقظَ الذئبَ الجريح لينهشَ قلوبهم، القصاصُ دَين؛ والوفاءُ به فَخ، اقبَل صوتي الذي نطقَ بحبرِ انتقامك؛ ليسقط الباغي والمجيب معًا".

خلَّصت قراءة وفَتحت الصندوق ورميت قطعة الجِلد جوَّاه، بعدها حطِّيت وشِّي في الصندوق زي ما عم سيمون طلب منّي، الدنيا ضلِّمت فجأة من حواليَّا، حاولت أبعِد وشِّي عن الصندوق لكنّي مقدرتش، كان في جاذبية غريبة بين دماغي وبين الضلمة اللي جوَّاه، فضلت مبحلق فيها وأنا مُش عارف أخرتها إيه، لحد ما شُفتها قدامي، كانت لسَّه جميلة ما كانت معايا، وافتكرت لمَّا بلَّغتني إنها مش هتقدر تنتظرني أكتر من كِدَه.

حاولت أهرب من الصندوق اللي مكانش يفرق كتير عن مِراية أوضتي، رجَّعني لأقسى ذكريات عِشتها، لكن المِراية كانت أرحم مليون مرَّة، ودَه لأن الصندوق خلَّاني أشوف مشهَد ماكنتش أحِب أشوفه أو يخطر على بالي، ودَه لأني شُفتها معاه بعد ما اتجوزوا وكانت...

غمَّضت عيني وأنا وشّي جوَّه الصندوق ومقدرتش أكمِّل، ساعتها سمعت صوتي، أو عشان يكون كلامي واضح، سمعت صوت النسخة التانية منّي، في اللحظة دي فتحت عيني، وشُّه ظَهر قدَّامي، كان بيبتسم وبيقول لي:

-شُفت بقى إن كان عندي حَق لمَّا ظهرت لَك وقُلت لك لازم تنتقم من اللي داسوا عليك، أنت ماقدرتش تشوفها وهي بتعمل دَه، وفي نفس الوقت هيَّ بتعمله عادي وضميرها مُش بيأنِّبها، أنت طيِّب أوي يا سيف، طيِّب لدرجة إنَّك مَسَحت سنة من عُمرك وضيَّعتها عشان واحدة المفروض مَتبقاش عايشة لحد دلوقت، خانِتَك وبتخونك وهاتخونك.

الدم كان بيغلي في عروقي بعد ما شُفت أكتر شيء دبحني في حياتي، وكمان بعد ما سمعت كلامه ليّا، رفعت وشّي من الصندوق، عيني جَت في عين عم سيمون، وساعتها قال لي:

_اسمع كلامه، محتاج إيه أكتر من اللي شُفته عشان تنتقم لنفسك، دي إنسانة خاينة.

هزّيت راسي بالرفض وأنا بحاول أطرد كلامهم اللي زي السِّم من دماغي، وعشان أقفل الباب قدامه قُلت له:

_لأ، أنا مستحيل أبدًا أكون قاتل.

في اللحظة دي بَص لي بكل هدوء وقال لي:

_عارف عيبك إيه يا سيف؟ إنك بقيت حابب تعيش ضحيَّة، أتقنت الدور ده لدرجة إنك مش عارف تقوم بدور غيره، في حين إنها قدرت تخرج من دور حبيبتك وقامت بدور حبيبة واحد تاني، وأهو أنت شُفت بعينك.

_مستحيل أعمل كده، وبعدين أكيد الصندوق ده فيه حاجة حلَّتني أشوف المنظر ده، أكيد مش حقيقة.

ضِحك بسخرية على كلامي وقال لي:

_تصدَّق إنك تستاهل فعلًا كل اللي حصل معاك، يعني سابِتك وراحت لواحد تاني واتجوزته؛ وأنت بتقول إن اللي شُفته محصلش، أومال اتجوزته عشان تلعب معاه كوتشينة؟

_أنت قُلت بنفسك أهو، اتجوّزته، يعني ما بتعملش حاجة غلط.

_بَس خانِتَك، باعِتَك وراحت له، وماتنكرش إن أكتر حاجة دمَّرت حياتك الفترة اللي فاتت اللي هيَّ عملته فيك مش مشروعك اللي راح منَّك.

بدأت أتحرّك ناحية باب المحل، في اللحظة دي قَفَل الصندوق ورجَّعه مكانه فوق الرَّف وهوَّ بيقول لي:

_طالما أنت جَبان للدرجادي سمعت كلامه وجيت لحد المحل عندي ليه؟ كنت قول له إنك أصغَر من إنك تنتقم لنفسك، كنت قول له إنك ظهرت للشخص الغلط.

خرجت من المحل ومشيت في شوارع الزقاق الضيَّقة، صورتها معاه 

مراحتش من قدام عيني، مُش هقدر أنكِر إني حسِّيت بنار جوايا، وفي نفس الوقت فضلت أفكَّر مين الاتنين دول؟ وليه بيحاولوا يشيلوا قِشرة جرحي القديم!

كملت طريقي في البرد لحد ما وصلت، وعلى مدخل العمارة لقيت عم مأمون البواب، أول ما شافني قام من مكانه وجري ناحيتي، شال التلفيعة بتاعته من فوق كتافه وحطَّها فوق كتافي وهوَّ بيقول لي:

_ليه يابني ماشي في المطر لحد ما هدومك غرقِت؟

الحالة اللي كنت فيها خلَّتني ما أحسِّش إن الدنيا بتمطَّر، حرفيًّا كنت مفصول عن العالم، لكن بمجرَّد ما أدركت إن هدومي مبلولة جسمي اتنفض، حاولت أسيطر على الرعشة اللي مسكت في جسمي وقُلت له:

_كان واحشني المطر يا عم مأمون، قُلت أشبع منُّه.

_اقعد أعمِل لَك كوباية شاي تقيل ومَغلي.

-شُكرًا يا عم مأمون، أنا عاوز أطلع أرتاح.

طلعت شقّتي وخلعت البالطو المبلول، دخلت حطيته في سَبَت الغسيل اللي في الحمام، بعدها رجعت أوضتي وأنا مش عارف أسيطر على تفكيري، وبمجرد ما فَتحت النور سمعت اللي بيقول لي:

-غبي، هاتفضل غبي يا سيف!

بصِّيت ناحية الصوت وأنا عارف إنه ظَهر من تاني، رفعت عيني في عينه وقُلت له:

-أنا لحد دلوقت مش قادر أستوعب إني بكلِّم نسخة منّي، بكلّم نفسي يعني، ولو حَكيت لحد عن اللي بيحصل هيقول إني مجنون، دَه غير إنك خلَّتني أروح زقاق قديم وأقابل راجل عجوز اسمه سيمون، وهناك يخلّيني أحط راسي في صندوق وأشوف من خلال أصعب حاجة ممكن إنسان يشوفها، أنتوا عايزين منّي إيه؟

-عايزين مصلحتك يا غبي، مُش عايزينك تبقى ضعيف، لازم تعرف إن سكوتك وانعزالك جُبن، ولولا جُبنك كان زمانك مهندس برمجة مفيش منُّه اتنين، وكان زمانك متجوِّز الإنسانة اللي بتحبّها، لكن أنت خسرت كل دَه عشان جَبان، ولمَّا لقيت اللي يساعدوك عشان تنتقم لنفسك جُبنك سيطر عليك.

-تساعدوني؟ أنا لحد دلوقت مش عارف أنتوا مين! ولا فاهم مشيت وراكم إزاي!

-دَه بدل ما تقول شُكرًا لأني خرجت من المِراية وبقيت معاك، وإني ساعدتك عشان تفوق من اللي كنت فيه، كان عاجبك شَكلك بدقنك الطويلة وشعرك المنكوش وعينيك اللي اندفنوا في وشَّك من الكآبة؟ إخص عليك يا سيف! ماكنتش متوقّع إن ده يكون رَد الجِميل.

-مُش فاهم إيه الجِميل في إنك تخلّي واحد يحلق دقنه!

-عرفت بقى إنك ساذج وبتاخد الكلام من على الوِش، زي ما قابلت صاحب شركة برمجة وعشِّمك إنك هتبقى بيل جيتس زمانك؛ لحد ما خلَّصت مشروعك وسلِّمتهوله بإيدك، وبعد كِدَه أخد المشروع وأنت أخدت صابونة كبيرة، زحلقِتَك لحد ما لقيت نفسك بين أربع حيطان وفاقد كل شيء.

-كفاية بقى يا أخي، أنت مش هاترحمني بقى من الاسطوانة دي؟

-زي ما اللي جنوا عليك مكانوش رُحماء معاك، فأكيد أنا كمان مش هاكون رحيم معاك وأنا بحاول أخلّيك تاخد حقَّك.

-أنا مستعد آخد حقّي بأي طريقة؛ إلا أنّي أعمل اللي سمعته منَّك في محِل عم سيمون.

-خايف تقتل؟ 

ماعرفش ليه لقيت نفسي بفكَّر في الإجابة، في اللحظة دي استغل التردُّد اللي كَتِّف لساني وقال لي:

-مُتردِّد؟ تعرف إن كل كارثة في حياتنا بيكون بدايتها التردُّد، الواحد لو سايق على الطريق وقرَّر ينتقل من حارة لحارة، واتردِّد وهوَّ بين الحارتين وقرَّر يرجع فجأة لمكانه ممكن يعرَّض نفسه لحادثة، هيأذي نفسه وهيأذي غيره، واللي اتردِّد ياخد خطوة النهار دَه ممكن بُكره يضرب نفسه مليون قَلَم إنه مأخدش الخطوة دي، كل حاجة في الدنيا لازم تقيسها بالمقياس ده. التردُّد يا سيف هوَّ عدوَّك، وهوَّ أوِّل شيء لازم تقتله قبل ما تفكَّر إنَّك تقتل اللي خدعوك.

اختفى فجأة بمجرَّد ما خلَّص كلامه، كان قاصد يسيبني فريسة لتفكيري، بدأت ألِف في الأوضة زي المجنون، وقفت قدَّام المِراية أبُص لنفسي، لكن برضه صورتي مكانتش معكوسة فيها، الوقت فات وأنا واقف قدَّامها ومنتظر إنه يظهر لي، ولمَّا يأست مشيت لحد السرير ورميت جسمي المهدود عليه، فضلت مبحلق في السقف، وزي ما يكون السَّقف اتكاتِل معاهم عليَّا، أصله اتحوِّل لمراية شُفت فيها نفس اللي شُفته لمَّا بصّيت في صندوق عم سيمون!

غمَّضت عيني عشان أهرب من اللي بيحصل، بدأت أفقد إحساسي بكل شيء حواليَّا، مافوقتش غير لمَّا سمعت صوت خبط، قُمت مفزوع وأنا بحاول أعرف الصوت جاي منين، ومع الوقت أدركت إنه خبط على باب الشقة، أخدت بعضي ورُحت فتحت الباب، ساعتها لقيته عم مأمون، اللي أوِّل ما شافني قال لي:

-مساء الخير يابني.

بصِّيت له باستغراب وقُلت له:

-مساء إيه بَس يا عم مأمون، إحنا لسَّه الصُّبح.

-شكلك نِمت وماحسِّتش بنفسك، المغرب أذِّن واتصلَّي من شويَّة وداخلين على العِشا.

ماعرفش إزاي ماحسِّيتش بالوقت دَه كلُّه، عشام كِدَه قُلت له:

-يظهر إني راحت عليَّا نومة فعلًا.

-ولا يهمَّك، تحِب أروح أشتري لَك أي حاجة.

-لأ مُش محتاج حاجة، لسَّه عندي حاجات من آخر مرَّة اشتريت فيها.

-طيِّب أنا كُنت نازل من فوق قُلت أطَّمِّن عليك.

شَكرته ولمَّا مشي قفلت الباب، بعدها دخلت أوضتي وفضلت منتظره، الوقت فات بدون ما أشوفه أو أسمع صوته، لكن كُنت عارف إنه هيظهر من تاني.

لمَّا الدُّنيا بقت هادية والأصوات سِكتت في الشارع ظَهَر، اتفاجئت إنه موجود جَنب المِراية، قُمت من السرير ومشيت ناحيته، وقفت قدَّامه وسألته:

-كُنت فين؟

-كُنت مع عم سيمون، أصل أنت نسيت دي هناك.

رفع إيده بقطعة الجِلد ناحية وشّي وكمِّل كلامه وقال:

-وبالمرَّة قُلت له إنَّك جَبان وخسارة فيك المُساعدة، لكن العيب الوحيد اللي في عم سيمون إن قلبُه طيِّب، لقيته بيدافع عنَّك وواقِف في صفَّك، طلب منّي أعذُرك، لأن الصندوق اللي أنت اخترته ماعرَضش الحقيقة كاملة، دَه عَرَض جزء بسيط؛ زاوية واحدة من الكادِر، وطَلَب منّي برضه أصبر عليك لحد ما تشوف الصورة كاملة، وساعتها القرار هايكون في إيدك لوحدك، يا إما تنتقم لشرَفَك وتخليهم يدفعوا تمن خداعهم ليك، يا إما هاتفضل كِدَه، مافيش فرق بينك وبين الأموات، هُمَّا اندفنوا وحياتهم انتهت، وأنت اندفنت في أوضتك وأحلامك وطموحاتك انتهت للأبد يا سيف.

أخدت منُّه قطعة الجِلد بعد ما فضل ماددها ناحيتي، بحلقت في ملامح الدِّيب؛ كانت أشرس من المرَّة اللي فاتت، وحسِّيت إن الكلام المكتوب اتغيَّر، عشان كِدَه قرأته من تاني: "أنا القادِمُ إلى العَدَم، أقسمتُ عليكَ بالعهدِ الذي تمَّت خيانتُه، أن تُحرِّرَ الذئب الذي استيقظَ بداخلي، اجعلهما فريسةً لي، واقبل دماءهما لتمحو بها العار الذي لحق بي، القصاصُ دَين؛ والوفاءُ به فَخ، اقبَل صوتي الذي نطقَ بحبرِ انتقامك؛ ليسقط الباغي والمجيب معًا".

فضلت مبحلق في الكلام وأنا بفكَّر في كلمة العار اللي قرأتها، وفي كلامه ليَّا لمَّا قال لي: تِنتِقم لشرفك.

رفعت وشّي ناحيته عشان أسأله يقصد إيه، لكن لقيته اختفى، بدأت أندَه عليه وأنا زي المجنون وبقول له: "أنا عارف إنَّك سامعني، أنت ليه بتوصَّلني لمرحلة الجنون وتختفي!".

ماحبِّتش أضيَّع وقت، لبست هدومي واختَرت جاكيت تقيل ونزلت، ولمَّا عم مأمون كلِّمني على البوابة؛ قُلت له زي ليلة امبارح: "خارج أتمشَّى".

ماحسِّيتش بنفسي غير وأنا ماشي في صمت شوارع الزقاق، لحد ما وقفت قدام محل رقم "13"، مَحِل عم سيمون، وبرضه كان المَحِل الوحيد المفتوح في الوقت دَه.

دخلت المَحِل بدون ما أفكَّر، أول ما حَس بوجودي رَفع وشُّه ناحيتي وقال لي:

-أنا في غاية سعادتي يا سيف، عارف ليه؟

قُلت له بدون تردُّد:

-يا ترى إيه السبب؟

-عشان المرَّة دي جيت عندي بدون ما يُطلب منَّك.

-أي نَعم أنا جيت من نفسي؛ لكن قبلها قال لي إنه كان هنا، وإنك قُلت له إني ماشوفتش الحقيقة كاملة، وأنا جاي دلوقت عشان أعرف إيه اللي بيحصل بالظبط.

-بالعكس يا سيف؛ أنت هنا عشان تعرف اللي حصل؛ مُش اللي بيحصل.

-مُش هاتفرق كتير، المهم إني أفهم.

-أكيد معاك قطعة الجِلد.

كُنت حريص إنّها تكون معايا وأنا نازل، مدِّيت إيدي في جيب الجاكيت وطلَّعتها، أخدها منّي وبّص فيها وقال لي:

-المرَّة دي أنا اللي هختار لَك الصندوق، وأنا عارف إني هَختار صندوق يعرض لَك الحقيقة كاملة.

مَد إيده وأخد صندوق من فوق الرَّف، حَطُّه قدامي وأخد قطعة الجِلد ورماها في قلبه، بَعدها حطيت وشّي في الصندوق، وزي المرَّة اللي فاتت، انفصلت عن كل حاجة حواليَّا عشان أشوف مشهد تاني.

شُفتها في نَفس مَشهد المرَّة اللي فاتت، لكن في المرَّة دي الصورة ظهرت كاملة، شُفته معاها، عيني ركِّزت مع وِشُّه، ملامحه أخدتني لحكاية عُمري ما نسيتها، لمَّا دخلت مكتب صاحب الشركة اللي وعدني بتنفيذ مشروعي، وفِضِل يشجَّعني لحد ما خلَّصت المشروع واستلمه، وساعتها بقيت بالنسبة لُه الكارت المحروق اللي دوره انتهى، لأ والجديد بقى، إنه زي ما أخد مشروعي أخد الإنسانة اللي بحبَّها.

رفعت وشِّي لأنّي ماقدرتش أكمِّل، ساعتها عم سيمون قال لي:

-عرفت بقى إنَّك ساذج، وعرفت قد إيه هُمَّا مُجرمين.

ماقدِرتش أنطق، لكنّي سمعت كلامه لمَّا كمِّل وقال:

-مَسألتش نفسك الشَّخص دَه عرف منين إن عندك مشروع شغَّال عليه؟ ومين اللي خلَّاه يتواصل معاك؟

-من وقت للتاني كنت بكتب عن مشروعي على حساباتي الشخصية، وأكيد بوست ولا حاجة لَفَت انتباهه.

-أنت كائن موهوم يا سيف، عايش في عالم موازي بعيد عن عالمنا، آلاف الناس بيكتبوا عن مشاريعهم وأفكارهم، تقدر تقول لي مين اللي تواصل معاهم وقرَّر يتبنَّاهم؟

-عايز تقول إيه؟

-الإنسانة اللي أنت حبِّيتها وأخلصت لها ياسيف كانت على علاقة بصاحب الشركة، وهيَّ اللي كانت بتوصَّله كل شيء عن مشروعك لأنَّك كنت بتحكي لها، عشان كِدَه تواصل معاك ووعدك الوعود الخُرافية اللي أنت صدَّقتها، ولمَّا أخد المشروع داس عليك، وهيَّ سابِتك وراحت له لأنها كانت واخداك سِلِّم، وأخدت مشروعك قُربان قدِمتهوله عشان توقَّعه في حبَّها وتتجوِّزه وتعيش العيشة اللي كانت بتحلم بيها. عرفت قد إيه أنت ساذِج وهُمَّا مُجرمين يستحقوا القَتل؟

خرجت من عنده بدون ما أنطق بنُص كلمة، خطوتي كانت تقيلة، صورتهم مع بعض فضلت قدام عيني، وجنبهم صورة ليَّا، ساعتها شُفت نفسي بودان طويلة وعرفت قد إيه استحمروني وعملوا منّي حُمار بكل بساطة، لَعنت سذاجتي وكرِهت هيئة الحُمار اللي شُفت نفسي فيها، وقرَّرت إني أكون دِيب شَرس ينهَش قلب اللي سرق أحلامه.

لمَّا رجعت شقتي دخلت من الباب على المطبخ، فضلت أدوَّر في الأدراج زي المجنون؛ لحد ما لقيت سكّينة مناسبة لحجم الغضب اللي كان جوَّايا، أخدتها ورجعت أوضتي، رميتها فوق السرير ووقفت قدَّام المِراية، صورتي مكانتش معكوسة عليها كالعادة، بَس المرَّة دي مكانتش فاضية، دي كانت عليها صورتهم وهُمَّا مع بعض، فضلوا يبصُّوا لي من خلال المِراية وعلى وشوشهم ضِحكة صفرا، زي ما يكونوا لسَّه بيسخروا منّي بعد اللي عملوه، وفي اللحظة دي سمعت صوته من تاني وهوَّ بيقول لي:

-دي الحقيقة اللي كانت غايبة عنَّك يا سيف؛ واللي هَتعمله يبقى أنسب رَد اعتبار ليك قدَّام نفسك على الأقل.

كنت مركِّز مع كلامه وعيني مبحلقة في صورة السكينة فوق السرير وهيَّ معكوسة في المِراية، بَصِّيت حوالين منّي مالقتوش، ماكُنتش مُنتظر إنه يظهر لي تاني أو يتكلِّم معايا؛ لأني خلاص بقيت عارف إيه اللي لازم أعمله.

انتظرت لحد ما النهار طلع؛ حطيت السكينة جوَّه الجاكيت وخرجت من الشقة، مشيت من شارع لشارع؛ ومن منطقة لمنطقة، لحد ما لقيت نفسي قدام بيتها؛ مُش البيت اللي اتجوِّزت فيه أكيد؛ ولكن أقصد بيت أهلها، قعدت في مكان متداري قُريِّب من البوابة، قُلت أكيد هاتيجي تزورهم زي ما أي واحدة متجوِّزة بتزور أبوها وأمها. 

اليوم فات بدون ما أشوفها، لكن طاقة الغضب اللي جوّايا خلَّتني أراقب المكان كل يوم، لحد ما جَت اللحظة اللي انتظرتها، شُفتها نازلة من البيت وهوَّ كان معاها، إيدهم كانت في إيد بعض، كانوا ماشيين بيضحكوا ولا الدنيا على بالهم، وكأنهم ماداسوش عليّا وعلى أحلامي.

مدِّيت إيدي تحت الجاكية ومسكت السكينة، وأوِّل ما مشيوا في طريقهم قُمت من مكاني، مشيت ناحيتهم وعيني مركِّزة على ضهرهم، كنت بختار المكان اللي من خلاله هخلَّص عليهم بضربة واحدة، وبمجرَّد ما وصلت لهم سحبت السكينة وطعنتها، في اللحظة دي وقعت في الأرض، وهوَّ لمَّا لقاها وقعت نزل جنبها يطَّمن عليها، مكانش لسَّه مستوعب اللي بيحصل ولا عارف باللي هعمله، عشان كِدَه ضربته في ضهره نفس الضربة.

مافيش ثواني والناس اتجمَّعت حواليَّا، بصِّيت في وشوشهم وأنا بقول لهم:

-كان لازم يموتوا، كان لازم أنتقم لنفسي، الخاين لازم يموت.

محسِّيتش بنفسي غير والنَّاس بتكتِّفني، بَس في اللحظة دي حسِّيت بذهول، اللي على الأرض كانت فعلًا خطيبتي، لكن اللي معاها مكانش الشَّخص اللي سرق مشروعي، دَه كان شَخص تاني بشوفه لأوِّل مرَّة، ومَعرفش إزاي صندوق عم سيمون خلَّاني أشوفه في هيئة الشخص اللي سرقني، ولحد اللحظة اللي الناس مسكتني فيها مَعرفش إزاي كُنت شايف اللي معاها على إنه نفس الشخص!

-يعني عاوز تفهِّمني إنك قتلتها عشان خانتك واتفقت معاه عليك واتجوزته؛ يعني قتلت بدافع إنك تنتقم عشان الغدر والخيانة اللي اتعرَّضت لهم.

دَه كان كلام وكيل النيابة اللي قعدت قدامه لأوِّل مرَّة بعد ما اتمسكت، ساعتها ردِّيت عليه وقُلت له:

-كان لازم أعمل دَه عشان أنتقم لنفسي، بَس معرفش إزاي كنت شايف جوزها على إنه الشخص اللي سرقني.

-طيِّب أحِب أقول لَك بعد الحكاية الطويلة اللي سمعتها منَّك؛ إن الشخص ده يبقى خطيبها مش جوزها، يعني خطيبتك اللي فاتت مكانتش لسَّه اتجوِّزت، ده غير إنها اتخطبت لشخص بيشتغل محاسب في بنك وماعندوش شركة برمجة، ولا له أي علاقة بالمجال بتاعك، وحكاية النسخة التانية منَّك اللي ظهرت لَك وكلِّمتك ومحل عم سيمون اللي اتكلمت عنه، كلها محاولات أنت بتعملها عشان تفلِت من حبل المشنقة، وياما فات عليَّا حالات من دي كتير.

في اللحظة دي العسكري خبَّط على باب المكتب وبعدها دخل وقال لوكيل النيابة:

-في محامي برَّه بيقول إنه عاوز يحضر مع المتهم يا أفندم.

-خلِّيه يدخل.

مفيش ثواني ودخل واحد بشوفه لأوِّل مرَّة، اتكلِّم مع وكيل النيابة وقال له:

-أنا حاضر مع المتهم يا أفندم، لكن هستأذن حضرتك أتكلِّم معاه دقيقتين قبل ما نكمِّل التحقيق.

بعد ما وكيل النيابة سَمح لنا، قعدنا دقيقتين على كنبة أنتريه في المكتب، عرفت منُّه إن عم مأمون هوَّ اللي كلِّمه عشان يحضر معايا، وبعد ما حكيت له تفاصيل اللي حصل في الحدود اللي الدقيقتين سمحت بيهم قال لي:

-خلِّيك على كِدَه وامسك في كلامك.

ساعتها وكيل النيابة قطع كلامنا وقال للمحامي:

-الدقيقتين خلاص يا مِتر.

-تَحت أمرك يا أفندم، اتفضل أنا سامع معاليك.

-موكِّلك مُتهم بقتل خطيبته اللي فاتت وخطيبها، الدافع اللي قدامي إنه انتقام بسبب إنها سابته، ومن شوية كان بيحكي عن قصة أسطورية تنفع تكون قصة فيلم، وطبعًا كل ده عشان يثبت إنه مُش متَّزِن عقليًّا، وطبعًا أنت عارف إن أغلب اللي بيرتكبوا جرايم قتل بيلجأوا للحيلة دي عشان يهربوا من حبل المشنقة.

كنت بسمع كلام وكيل النيابة وأنا لسَّه مش مستوعب اللي بيحصل، لكن اتفاجئت إن المحامي قال له:

-أنا بطلب تحويل موكّلي للكشف على قواه العقلية والنفسيَّة.

وكيل النيابة وافق على الطلب، ولمَّا اتحوِّلت المصحَّة؛ حكيت للدكاترة نفس الحكاية، حاولوا معايا بكل الطُرق إنّي أقول السبب الحقيقي اللي خلَّاني أقتل؛ لكن فضلت مصمِّم على الحكاية دي؛ لأن ده اللي حصل معايا ومكانش في حكاية غيرها، عشان كِدَه التقرير في النهاية اتكتب فيه إني بعاني من هلاوس سمعية وبصريَّة حادة، وساعتها المحامي قال إن التقرير مش هيخرَّجني منها؛ وإنه طلب يحوِّلني للطب النفسي عشان يبعدني عن حبل المشنقة، لأن القضية لَبساني لَبساني.

بعد جلسات كتير ولَف وهدِّة حيل، اتحكم عليَّا إني أقضِّي باقي حياتي في مصحَّة نفسيَّة، وفي الأيام الأولى؛ لقيت باب العنبر اللي أنا فيه بيتفتح، ولقيت قدامي اتنين مُمرِّضين، كتّفوا دراعاتي ورا ضهري وأخدوني معاهم، دخلنا أوضة صغيَّرة مقسومة نُصِّين بإزاز سميك، قعدت على كُرسي قدام فَتحة صغيَّرة في الإزاز، بعدها الباب اللي دخلت منُّه اتقفل، ومفيش ثواني واتفتح الباب اللي في الناحية التانية، في اللحظة دي دخل عم مأمون، قعد قدَّامي من الناحية التانية وقال لي:

-ليه عملت كِدَه يا سيف؟

ماكنتش لاقي إجابة على سؤاله، لكنّي قُلت له:

-ليه كلِّفت نفسك ووكِّلت محامي يدافع عني؟ الحكاية ماكانتش هاتفرق كتير، حبل المشنقة كان موت؛ والمكان دَه هافضل فيه لحد ما أموت.

-أنا عملت اللي أقدر عليه، وبعدين لو على التكلفة أنا مَدفعتش حاجة من جيبي، أنت ناسي إنك سايب معايا الفيزا بتاعتك ولا إيه؟

-لو باقي فيها فلوس خُدها يا عم مأمون؛ حلال عليك.

-سيبك من الفلوس، أنت لسَّه مصمِّم على الحكاية اللي بتحكيها؟

-لأن ده اللي حصل ومافيش حكاية تانية؛ ولو كان في حكاية غيرها كان زمان مصيري واقف على طبليِّة عشماوي وحبل المشنقة حوالين رقبتي.

-اللي ظَهر لَك شيطان يا سيف يابني، وأنا رُحت لشيخ وحكيت له الحكاية كلها، بالك أنت؛ محل رقم "13" اللي بتقول إنك كُنت بتروح فيه للي اسمه سيمون في نُص الليل ده طلع محل مقفول من سنين طويلة، صاحبه فعلًا كان اسمه سيمون ومات مقتول فيه، والناس بتقول عنُّه مسكون، دَه أنا حتَّى أخدت الشيخ ورُحت هناك؛ ولمَّا وقفنا قدَّام باب المحل وقرأ شويَّة قرآن قال إنه اتقفل بعد الجريمة اللي حصلت فيه لأن عتبتة مُش كويِّسة وقرين صاحبه ساكن فيه.

-يعني أنا كنت بروح محل مهجور وبتكلِّم مع عفريت واحد مقتول من سنين طويلة؟

-اعقِلها أنت طيِّب، في برضه صندوق تبُص فيه يخلّيك تشوف حاجة ماحصلتش؟ الشيطان هوَّ اللي خلَّاك تشوف الشَّر اللي كان سبب في إنَّك تقتل.

-أعقِلها إيه بَس؟ أنت ناسي إنك بتتكلِّم مع واحد محبوس لحد آخر يوم في عُمره جوَّه مصحَّة نفسية؟ عقل إيه بقى يا عم مأمون؟

-زي ما الشيخ قال يابني، النسخة التانية اللي ظهرت لَك دي تبقى قرينك، والقرين شيطان ماكر والعياذ بالله، وحالة الضعف والكآبة اللي كنت فيها كانت هيَّ البوابة اللي دخل حياتك منها، فِضِل يوزَّك لحد ما ضيَّعت نفسك، خلَّاك تشوف حاجات ماحصلتش، وبعتك لمكان مسكون عشان يعمل عليك فيلم ويقنعك ترتكب الجريمة، والله أعلم كل واحد قتل أو ارتكب جريمة بشعة شاف إيه قدامه أو حصل معاه إيه خلَّاه يعمل دَه، الله يلعن شياطين الإنس والجِن اللي بيخلّوا الناس تضيَّع نفسها.

في اللحظة دي باب الأوضة اتفتح ودخل جوز المُمرِّضين، ساعتها واحد منهم قال:

-الزيارة انتهت.

-أخدوني وخرجوا، بعدها دخلت العنبر والباب اتقفل عليَّا، قعدت بين الأربع حيطان لأني كنت محبوس لوحدي؛ عشان حالتي اتصنَّفت على إنها حالة خطيرة، مافيش دقيقة كانت بتفوت غير لمَّا بفكَّر في كل حاجة حصلت معايا، وفي النهاية أدركت إني ماعنديش مرض عقلي، الكلام اللي الشيخ قاله لعم مأمون صح، أنا كُنت مَعمي والغضب مسيطر عليَّا، كُنت عايش لحظة ضَعف، والشيطان مُش عايز أكتر من إنه يشوف الإنسان ضعيف عشان يخلِّيه يروح لهلاكه، عشان كِدَه ظَهر لي في هيئتي، أو بطريقة ما خلَّاني أتخيَّل إن في نسخة تانية منّي، وبعد ما أقنعني بوجوده مشيت وراه لحد ما وصلت لغاية هِنا.

الحقيقة لمَّا بتتعِرف بعد أوانها مابيكونش لها قيمة، حتى لو عملت محاولة تانية عشان أثبت إني مش مجنون؛ التحقيق هيتعاد من تاني، وبدل ما هتحبس في العنبر دَه للأبد هاتعِدم، يعني كلُّه محصَّل بعضه، عشان كِدَه اخترت إني أسكُت، لكن وأنا عارف ومتأكِّد إني شيطاني ضَحك عليَّا في أكتر وقت شافني ضعيف فيه.

لما وصلت للحقيقة بعد فوات الأوان افتكرت تفصيلة صغيَّرة، وعلى قد ما هيَّ بسيطة لكنَّها خلَّتني أحِس قد إيه كنت غبي. لقيت نفسي برجع لتفاصيل الكلام المكتوب في قطعة الجِلد، بالتحديد عند الجملة اللي فضلِت ثابتة بعد ما الكلام اتغيَّر: "القصاصُ دَين؛ والوفاءُ به فَخ". 

القصاص الوَهمي، اللي فهمت بعد كِدَه إنُّه أقنعني بيه عشان يدفعني لارتكاب الجريمة. "والوفاءُ به فَخ". رسالة تحذير بإن تنفيذ اللي بيطلبه مجرَّد فَخ رِجلي هاتغرس فيه، كان بيحذَّرني وهوَّ متأكد من لحظة العَمَى اللي أنا فيها، وكان واثق من إني مُش هَكتشف السِّم المَدسوس في طبق العسل، عشان كِدَه كتبها بكل ثقة وهوَّ عارف إن الغضب اللي جوَّايا هايخلّيني أنفِّذ رغبته، وأمشي في الطريق اللي رسمه وأقتَص لنفسي قصاص باطل، عشان في النهاية رجلي تيجي في الفَخ اللي نصبه لمَّا شافني واقع، وينتهي بيَّا الطريق في المكان اللي اختاره ليَّا.

تمت...

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب387268
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249964
3الكاتبمدونة ياسر سلمي218193
4الكاتبمدونة زينب حمدي183774
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160516
6الكاتبمدونة سمير حماد 128040
7الكاتبمدونة مني امين123664
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120549
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116775
10الكاتبمدونة طلبة رضوان116576

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02