كنتُ كاهنَ خنوم، لا لأنني اخترت ذلك، بل لأن النيل نطق باسمي ذات فجرٍ قديم.
في مدينة آبو، حيث يضيق مجرى الماء كأنه عنقُ قارورةٍ سماوية، تعلمنا أن نصغي قبل أن نتكلم، وأن نعدَّ أنفاسنا على إيقاع الفيضان.
كنتُ أستيقظ مع الفجر، وأغسل وجهي بماءٍ لم يزل يحمل طين الخلق الأول.
أمام تمثال خنوم، ذي الرأس الكبشي، كنتُ أرى البشر كما يراهم هو: طينًا قابلًا للانكسار، لكنه إن دار على عجلة النحت، صار قلبًا نابضًا.
كنتُ أُشعل البخور، لا ليصعد إلى السماء، بل ليلف أرجاء المعبد ويحتله.
في آبو، لم يكن النيل نهرًا، بل كائنًا حيًا، نُحاوره ولا نأمره.
حين يرتفع، نفرح ونخاف معًا؛ فالخير إن زاد عن حدّه صار امتحانًا. وحين ينخفض، نصمت طويلًا، لأن الصمت صلاة لا تُخطئ طريقها.
…وكنتُ واحدًا ممن باح لهم النيل بالسر.
لكن السرّ لم يُقال دفعةً واحدة، فالأسرار القديمة لا تُعطى، بل تُنزَع من القلب انتزاعًا.
في تلك الليلة، لم يأت الفيضان، ولم ينخفض الماء. توقّف النيل.
توقّف كما لو أنه يحبس أنفاسه.
النجوم كانت أقرب من المعتاد، والهواء ثقيل كأن أحدهم أغلق أبواب السماء.
في قدس الأقداس، حيث لا يدخل إلا الكهنة الذين عرفت أقدامهم الطين قبل أن تعرف البلاط، انطفأت الشعلة وحدها. لم تنطفئ، بل انحنت… كما ينحني الرأس عند سماع اسمٍ محرّم.
سمعتُ الصوت.
لم يكن هدير ماء، ولا همس ريح، بل خفقًا عميقًا يشبه دوران عجلة خنوم نفسها.
رأيتُ التمثال يتحرّك دون أن يتحرّك؛ الرأس الكبشي ثابت، لكن العينين لم تعودا من حجر.
قال النيل — أو ما يسكنه — بصوتٍ لا يُسمع بالأذن:
(الناس يعرفونني ذراعًا واحدة… وهذا كذب)
في تلك اللحظة، انفتحت في رأسي خرائط لم تُرسم، وأسماء لم تُنقش على حجر، سبعة مجارٍ تتفرّع من جسدٍ واحد..
الذراع الأولى تُنبت القمح.
والثانية تحمل الطمي.
والثالثة تغسل الذنوب.
أما الأربع الباقية… فلم تُخلق للخير.
ذراعٌ تُغرق المدن حين تنسى.
وذراعٌ تُجفّف القلوب قبل الحقول.
وذراعٌ تضلّ طريقها عمدًا، فتُولد الصحراء.
والسابعة… السابعة لا يعرفها إلا من اختير ليموت ..
ارتجفتُ، وسقط البخور من يدي، فرأيتُ الدخان لا يصعد، بل يلتفّ حول قدميّ كقيد. أدركتُ عندها لماذا لم يُكتب هذا السر في البرديات، ولم يُنحت على الجدران: لأن معرفة أذرع النيل السبعة ليست علمًا… بل حكمًا.
وقبل أن أصرخ، قبل أن أفرّ، سمعتُ الجملة التي حطّمت ما تبقّى مني:
«وأنتَ، يا كاهن خنوم، لم تُدعَ لتعبد النيل… بل لتغلق إحدى أذرعه.»
عندها فقط، عاد الماء إلى جريانه.
وعادت الشعلة إلى اشتعالها.
وعرفتُ أن الفصل الأول من حياتي قد انتهى…
وأن ما ينتظر آبو ليس فيضانًا..
بل اختيارًا لا تنجو منه مدينة..
(كتبت هذه الصفحة في الثالث عشر من شهر Akhet آخت )








































