فتحت عينها لكن الضوء لم يكن كالعادة كان باهتا كذكريات قديمة
قامت من سريرها بخفة لم تعهدها
مشت فى الصالة
دخلت المطبخ
ثم وقفت في الشرفة تراقب الشوارع الصامتة البيت فارغ
لكنه ممتلئ بصدى أنفاسهم
وفجأة
تحرك مقبض الباب
دخل ابنها الأكبر ملامحه متعبة
يحمل ثقل الأيام فوق كتفيه
اتجه نحو غرفتها وفتح الباب
وهى واقفة فى زاوية الغرفه تراقب بذهول طيفها المسجى على السرير
حاولت أن تلمس كتفه همست في أذنه:
ادخل يا حبيبى.. أنا ماشية
كنت أحاول دائما أن أخبرك أننى هنا لكن جاء من أراد مكانى منذ اليوم الأول
لم يدرك أن مكانى فى قلبك
وفى ذاك الكرسى الذي شهد حكاياتنا ولمتنا وضحكتنا
افترقنا
كنا أصحابا يا بنى قبل أن تكون ابنا كنت حبيب الروح
والآن.. أترك لكم الدنيا بما حملت
أغلق الباب وخرج بوجوم
وكأنه شعر ببرودة مفاجئة
ثم استيقظ الابن الأصغر ..دخل الغرفة بآلية المعتاد فتح الباب ثم أغلقه
نادته بقلبها:
تعال يا منقذى كم مرة لحقت بى وأنا فى أوج تعبى محتاجة حضن أخير
محتاجة وجودكم محتاجه بناتى الأميرات وأولادكم
الذين فى دمى وقلبى
الوداع مر يا صغيرى
وأخيرا
دخل زوجها رفيق الدرب الحنون الذي لم تره يوما إلا سكنا
نادى بصوت يرتجف قليلا: "قومى يا غالية.. افطرى نمت بالأمس وأنتِ متعبة
اقتربت منه تلمست وجهه بيد من أثير:
تعال.. أنا ماشية
كنت دائما أجمل هبة من الله
كنت الأب والأخ والزوج
لا تحزن
فروحى ستبقى تحرس عتبات هذا البيت
جاءت لحظة الانفصال سكرات الروح وخيال البقاء
في تلك اللحظة بلغت الدراما الروحية ذروتها إنها أصعب ثوان
الوجود حين تشعر الروح بأن الخيط الواصل بينها وبين الجسد قد انقطع لكنها تأبى المغادرة فورا تظل تحوم فوق الرؤوس تشاهد دموعهم
وتسمع شهقاتهم التي لم تعد تملك يدا لتمسحها
إنه الحوار النفسي العميق بين "ما كان" وبين "ما سيأتي"
الروح تمشي في الممرات تلمس الستائر
تنظر إلى الصور المعلقة وكأنها تودع كل ذرة غبار شهدت على ضحكة أو دمعة
يحس أهل البيت بوجودها
يشمون عطرها في الأرجاء يخيل إليهم أنهم سمعوا صوت خطواتها في المطبخ
لكن الحقيقة المرة تصدمهم:
لقد رحلت
الفراق ليس فى توقف النبض
بل في ذاك الخيال الذى يرفض الرحيل حتى يطمئن على من ترك خلفه
إنها رسالة أخيرة صامتة: "أنا ماشية.. لكننى سأبقى فى تفاصيلكم
فى دعواتكم
فى قراءة قرأن وأهداؤه لى
وفى كل زاوية من هذا البيت الذى لن يسكنه الصمت طالما بقيت ذكراى تنبض فى صدوركم
طيف الوداع...حين يهمس الرحيل
- 🔻
-
- بقلم: ايمان سعد عبد الحليم بسيوني
- ◀️: مدونة ايمان عبد الحليم
- الزيارات: 4
- رقم التوثيق: 1554







































