لماذا نحتاج إلى الفراغ لنبقى متصلين
الحياة في جوهرها عبارة عن هندسة دقيقة للمساحات
لو تأملت في الكلمات التي تقرأها
الآن
ستجد أن سر فهمها لا يكمن فى الحروف نفسها بل في الفراغات التي تفصل بينها فبدون تلك المسافة تتحول المعانى إلى ضجيج لا يقرأ
يخبرنا بحقيقة واحدة المسافة
ليست جفاء بل هى شرط الوجود والجمال
على الطريق نترك مسافة بين سيارتنا والسيارة التى أمامنا ليس خوف من الآخر
بل احتراما للقوانين هذه المسافة هى التى تمنحنا زمن الاستجابة
من يلغي هذه المسافة لا يثبت مهارته في القيادة بل يعلن عن تهوره فالتصاق السيارات ببعضها لا يسرع الوصول بل يرفع احتمالات التصادم
كذلك هي العلاقات عندما نلتصق بالآخرين بشكل مفرط نلغى قدرتهم وقدرتنا على التصرف بحرية
ويصبح أى خطأ بسيط حادثا مؤلما يحطم الطرفين
المسافة هي الغلاف الجوى الذي يحمى شخصية الفرد لكل إنسان منطقة محرمة من الأفكار
الأسرار
المشاعر
التي لا يحب أن يقتحمها أحد احترام هذه المساحة هو أعلى درجات النضج
فالقرب الزائد يولد الاعتياد الذى قد يقتل الهيبة والتقدير بينما تحافظ المسافة المدروسة على رونق الشخصية وتجعل اللقاء دائما متجدد وشيقا
العلاقات الناجحة اقتراب يمنح الدفء
ابتعاد يمنح الحرية
وبينهما إيقاع يحفظ التوازن
التوازن بين الدفء والحرية
البعض يخطئ الظن فيعتقد أن طلب المسافة يعنى الرغبة فى العزلة أو ضعف المحبة والحقيقة هى العكس تماما نحن نحتاج للمسافة لكى نرى الصورة كاملة
فالعين لا ترى الشىء إذا التصق بحدقتها
نحن نبتعد قليلا لنرى جمال من نحب بوضوح
ولنعطى أنفسنا فرصة للاشتياق
إن غياب المسافات في المجتمعات يخلق حالة من التطفل الاجتماعي الذي يخنق الإبداع ويقتل التميز
أما الحفاظ على خصوصية الآخر
فهو اعتراف صريح بكيانه المستقل وبأنه ليس مجرد امتداد لرغباتنا
تعلم
فن المسافة
كن قريبا بما يكفي لتشعرهم بالأمان
وبعيدا بما يكفى ليحترموا خصوصيتك
فالحياة تزدهر في الفراغات الواعية
والكلمات لا تنطق إلا عندما تتنفس بينها المسافات
هى هندسه المسافات







































