وقد يكون قلبُ المرءِ ـ وهو موضعُ الرحمةِ منه ـ أشدَّ أعدائه عليه، إذ يُورِثه من التعلُّق ما لا يُطاق، ويُذيقه من الشوق ما لا يُحتمل.
(اقتباس)
فكم أوقعه في مواطنَ يعلمُ ضررها، وكم ساقه إلى أبوابٍ لو ملكَ الرجوعَ عنها لنجا، ولكنه يمضي مدفوعًا بوعدٍ خفيٍّ لا يتحقق، وأملٍ يتوهّج كلما خبا. فيظلُّ بين رجاءٍ يُحييه وخيبةٍ تُثقله، كأن قلبه يمدُّ له كأسًا من عسلٍ ثم لا يلبث أن يمزجها بمرارة الفقد، فلا هو استطاع أن يبرأ منه، ولا هو قدر أن ينجو به.
حتى إذا ظنَّ أنه اعتاد الألم، باغتَه الألمُ من هيئةِ الحنين، لا من هيئة الجراح؛ فثمة وجعٌ لا يُجرح به الجسد، بل يُربَّى في الداخل حتى يغدو مألوفًا كالتنفس ثم يخنق صاحبه على مهل. ويمشي الإنسان وفي داخله معركةٌ صامتة؛ عقلٌ يُحاول أن ينجو، وقلبٌ يُصرّ أن يظلّ حيث لا نجاة، كأن أحدهما يمدُّ له الحبل والآخر يقطعه في اللحظة نفسها، ومع الوقت لا يعود السؤال: لماذا أحببت؟ بل: كيف نجا منّي عقلي حين انحزتُ كلّيًا لما يُتعبني؟ فيتعلّم أن الخلاص ليس دائمًا قرارًا، بل أحيانًا هزيمةٌ محترمةٌ أمام ما يسكنه… هزيمةٌ لا يعلنها، لكنه ينهض بعدها مختلفًا، كأن شيئًا منه قد بقي هناك… ولم يعد.
ثم يكتشف ـ متأخرًا كعادته مع كل ما يوجعه ـ أن القلب لا يختار ما يحب، لكنه يختار ما يُثقل صاحبه، وأن بعض التعلّق ليس حبًا، بل ذاكرةٌ أصرّت أن تعيش أطول من أصحابها، فصارت تستدعي الغائب كأنه حاضر، وتُقنعه أن الفقد لم يحدث بعد. فيجلس الإنسان مع نفسه كغريبٍ في بيته، يعدّ ما تبقّى منه فلا يجد إلا فراغًا ممتلئًا بصوتٍ واحدٍ قديم، يتكرر بلا نهاية، بلا رحمة، بلا انطفاء. وحينها فقط يفهم أن أقسى ما في القلب، ليس أنه يُحب… بل أنه لا يتقن النسيان، حتى لو كان النسيان هو النجاة الوحيدة.








































