لكل منّا مخاوفه وانكساراته، تلك التي لا تُرى بالعين، لكنها تُثقل الروح وتُرهق القلب. هناك مخاوف مادية نخشاها لأنها تهدّد استقرارنا، وأخرى معنوية تُطاردنا لأنها تمسّ ذواتنا وتكشف هشاشتنا. وبين هذا وذاك، يبقى الصراع قائمًا… صراع بين من يقاوم فيصمد، ومن يستسلم فينطفئ قبل أوانه.
الحياة لا تمنح هدايا مجانية، ولا تُوزّع أفراحها بلا مقابل. كل ما نحصل عليه، ندفع ثمنه عاجلًا أو آجلًا، وكل ما نعيشه يترك أثره فينا، كأننا نسير بفواتير مؤجلة، لكنها لا تسقط بالتقادم، فهي مستحقة الدفع، بل وتنتظر لحظة السداد. وما بين الأخذ والعطاء، نتعلم أن لكل اختيار ثمن، ولكل طريق تبعاته.
الحياة، في جوهرها، سكة سفر طويلة، ومحطات متتابعة. هناك من يبلغ محطته الأخيرة بسلام، وهناك من يتعجل النزول، ظنًا منه أن الطريق أثقل من أن يُحتمل. هناك من يسلم روحه لليأس والقنوط فيبيع روحه للشيطان، وهناك من يقاوم في بسالة، ولكن ما يُهوّن الرحلة حقًّا، ليس الطريق ذاته، بل رفاقه. فمن منّا لا يحتاج في مسيره إلى عقل يفهمه، وقلب يحتويه، ويدٍ تربت على كتفه حينما ينوء بحمله، وحين تثقل الخطوات. من منا لا يحتاج إلى روح تُطمئنه حين تضيق به الدنيا، وتُعيد إليه يقينه حين يتسلل الشك إلى داخله.
بل من منا وفي لحظات معينة، لم يتوقف… لا ليبحث عن إجابات لكل الأسئلة، فبعضها خُلق ليبقى بلا جواب، بل ليتأمل الطريق: من أين بدأ؟ وكيف انتهى، ليجد نفسه يتساءل في قلق وماذا بعد؟ بعضنا يتساءل هل نكمل؟ ولماذا نكمل؟ وما جدوى المسير؟ حتى أننا نتأمل علامات التعجب والاستفهام التي ازدحمت في رؤوسنا، في محاولة جادة لنعيد ترتيب أنفسنا قبل أن نُكمل الرحلة.
هناك من يختار العزلة، يلوذ بصمته هربًا من ضجيج العالم، هربًا من عالمه وما هو أبعد من عالمه، وهناك من يستسلم للإحباط، فتخبو داخله رغبة الاستمرار. لكن كثيرين… كانوا وما زالوا يقفون في المنتصف، ما بين الشك واليقين ينتظرون يدًا تمتد إليهم بصدق، كلمة دافئة تُقال في وقتها، نظرة تُعيد إليهم الإحساس بأنهم ليسوا وحدهم. فكم من إنسان نجا بكلمة، وكم من روح عادت للحياة بلمسة حانية.
إن ضعفنا الإنساني لا يعيبنا، بل يذكّرنا بأننا بشر، نحزن وننكسر ونحتاج. لكن العيب الحقيقي أن نفقد إنسانيتنا، أن نتجاوز آلامنا دون أن نشعر بآلام الآخرين، أن نغلق قلوبنا حين تُفتح لنا، وأن نخذل من احتاج إلينا كما احتجنا يومًا لغيرنا.
اليأس هو السلاح الأقوى للشيطان، والأمل هو الدرع الواقي للنجاة.
وجود دافع للحياة هو المبرر الأقوى للحياة..
في النهاية، لسنا مطالبين أن نكون أقوياء دائمًا، لكننا مطالبون أن نكون أوفياء لإنسانيتنا.
فالحياة، مهما قست، تبقى أهون… حين نجد من يربت على أرواحنا، ويقول لنا في صمتٍ صادق: لست وحدك.








































