أسرعتْ إليهِ الأرملة البيضاء لتُنقذهُ من المعيز، فحملتهُ بينَ ذراعيها وخرجتْ بهِ من الحظيرة، وضعتهُ أمامها وسألتهُ: ما الذي كانَ يدورُ برأسكَ قبلَ أنْ تتحوّلَ لماعز؟
أجابها بصوتٍ مُنهَكٍ والدمعُ يقطُرُ من عَينيهِ: كُنتُ أُفكّرُ كيفَ هو الحال في عالمِ المعيز؟
كيفَ يعيشون؟
الأرملة البيضاء: حسنًا إذًا، لأجلِ هذا قد قامَ تفكيرُكَ بسحبكَ لعالمهم؛ إذ الفِكرُ ساحبُ صاحبه.
نقي: ما العملُ إذًا أُمّي؟
الأرملة البيضاء مُبتسمةً: لا عليكَ ولدي، فالأمرُ بسيطٌ للغاية.
نقي: كيف؟!
الأرملة البيضاء: ستعودُ لأصلكَ البشري بذاتِ الطريقة التي حوّلتكَ من بشريٍ لماعز.
نَظَرَ إليها مشدوهًا وتابع: أُمّي أتقصدينَ أنْ...
قاطعتهُ بصوتها الأُمومي الحنون: أجل بُنيّ.
أخذَ نقي يُفكّر ويُفكّر ويُفكّر في حياتهِ الآدمية حتّى عادَ بشريًا كما كان، تهللتْ أسارير الأرملة البيضاء واحتضنتهُ حُضن الأُمّ الواضعة لرضيعها الذي وضعتهُ للتو.
دلفتْ الأرملة البيضاء البيت، بينما ولدها ظلَّ جالسًا أمامَ الحظيرة يرقبُ الماعزَ من بعيد، ويحمدُ اللَّهَ على خِلقتهِ وجميعِ فضلهِ حتّى غَرُبتْ الشَّمس.
أعدَّتْ الأرملة البيضاء لابنها الطعام الذي يُحِبّ، فقامتْ بعملِ لحم الماعز وحساءهُ اللذيذ، بالإضافةِ للأرز بلسانِ العُصفور، والفاصوليا البيضاء، والسلطة الخضراء المُضاف إليها زيت الزيتون، المعصور مُنذُ أيَّامٍ بواسطة معصرتها الخاصّة.
تناولا العَشاء سويًا ثُمَّ جلستْ معهُ بحديقةِ البيت لتُحدّثهُ قائلة: أي بُنيّ، قد مَررتَ بتجرُبةٍ قَلّما تحدُث، وأظُنّكَ تعلّمتَ درسًا لن تنساهُ ما حَييت، لذا كُن ذكيًّا واغتنم عُمركَ قبلَ أنْ يَفنى، ولا ترجو غيبًا لم يُكتَب لك، فلو كانَ مُناسبًا لكَ لكُنتَ تحياهُ الآن.
لا تنطفئ مهما يَحدُثُ بُنيّ، اِجعل من قلبكَ سراجًا يُضيءُ عتمتكَ والآخرين.
هاكَ تجارة أباكَ رَحِمَهُ اللَّه، لتبذل ما بوسعكَ كي ترقى بها، فأبوكَ لم يدّخر جُهدًا في عملهِ لأجلِ أنْ نحيا حياةً كريمة.
أمَّا قَبلُ فقد توّليتُ زمامَ الأمورِ من بعدِ أبيكَ لعِلمي وخبرتي بالسوق، أمَّا بَعدُ فقد آنَ الأوان لتكونَ على خزائنِ تجارتنا.
أومأ لها وتابع: حسنًا أُمّي.
وبعدَ باكرٍ عَيّنتهُ نائبًا لرئيسِ مجلس إدارة مجموعة شركات (الأرملة البيضاء) للإستيرادِ والتصدير، أي أنَّهُ قد أصبحَ نائبًا لأُمّه.
أوّل قرارٍ اِتخذهُ النائب الجديد هو إنشاء مصنعًا يَحملُ اسمًا (لحم معيز) لتصدير لحم المعيز إلى خارج البلاد، وكذا مصنعًا لتصنيع الجُبن والسمن وألبان الماعز.
جلسَ نقي على مِقعدهِ المُتحرّك يتأملُ الدرس الذي تعلّمهُ من الماعزِ ثُمَّ أردف: حقًّا قد كانَ درسًا لن أنساهُ ما حييت.








































