الصباح لم يجلب ضوءا. كانت السماء فوق المخيم جدارًا رماديًا ثقيلاً، والماء (نتيجة ليلة من القصف والمطر) اجتاح السهل الطيني. وقف الطفل، غارقًا في وحل يجاوز ركبتيه. لم تكن دموعه تسيل؛ كان يتقدم، ببطء يوافق ثقل الوحل الذي يشد قدميه، ووعي يماثل حجم الكارثة الممتدة حوله. قميصه، الذي كان ذات يوم بلون السماء الصافية، اتخذ الآن لونًا آخر؛ خليطًا من الطين والخوف.
حركته أشبه بالسباحة العمودية، وكانت كل خطوة جهدًا لا يُقاس. في يده، لا يحمل وعاءً؛ لكنه يمسك كيسًا بلاستيكيًا يلف بداخله شيئًا صغيراً وخفيفاً. هذا الشيء هو آخر قطعة من "صندوق الإسعافات" الذي ضمه إليه الأب قبل أن يغادر.
الخيام المترنحة والمنخورة المحيطة لم توفر حماية من الماء. كانت مجرد علامات على وجودهم. خلف إحدى العقد القماشية المتهالكة، ارتفعت يد أم نحيلة تنتظر عودة ابنها. عجزت عن الكلام، واكتفت بالإشارة إلى خيمة المنتصف.
وصل الطفل إلى المدخل المهترئ. دفعه بقوة، فارتد رذاذ الوحل الممزوج بالماء على وجهه. في الداخل، لم يجد مكاناً جافاً. كانت وسادة صغيرة طافية. التقطها، وابتعد عن المياه الجارفة نحو زاوية تحوّلت إلى تل من الأثاث المكدس.
هناك، كان جده نائماً، وجسده مغطى بغطاء سميك لم يتحرك رغم اجتياح الماء البارد.
فتح الطفل الكيس البلاستيكي بحرص، وأخرج ما كان بداخله. لم يكن دواءً؛ كانت صورة صغيرة قديمة لبيتهم المهدم في المدينة. وضع الصورة بجانب رأس جده. ابتسم الجد وهو نائم، ابتسامة ارتياح غريبة. لم يكن حلم العودة هو ما يشغله.
رفع الطفل الغطاء قليلاً ليوقظ جده ليشرب. لكنه وجد جسده خفيفاً بشكل غير مألوف تحت يده. وحين أزال الغطاء كاملاً، رأى عينيه مفتوحتين لكنهما جامدتان. نظر الجد إلى الصورة قبل لحظات من غيابه. لقد عاد الطفل بالبيت القديم، ليمنح الجد وداعه الأخير. الجد لم يعد يشعر بالبرد.
لقد ترك الجسد الثقيل للماء، وصار خفيفاً كالروح.
احتضن الطفل جسد جده الهادئ، واجتاح الماء الخيمة أكثر، محولاً الأرض إلى بحيرة باردة. في الخارج، ظلت اليد النحيلة للأم مرفوعة تنتظر صوتًا. لم يخرج من الخيمة صوت؛ خرج الماء فقط، حاملاً كل الأحلام التي كانت داخلها.








































