لم يكن المطر في حسبانهما. هبطت زخّاته بغتة، كستائر ثقيلة، تضرب زجاج المدينة المنهك. لم يكن أمامهما مهرب سوى مقهى صغير عند ناصية الشارع، تبدو واجهته الزجاجية كالمرآة المضببة. اجتازا العتبة مثقلين ببلل الطريق، والرائحة المميزة للبُنّ الممزوجة بتراب المطر المباغت.
جلسا عند أول طاولة خالية. مدّ يده إليها، لا ليمسح عنها قطرات المطر، بل ليمسح قلقاً خفياً كان يتلبس وجهها. تشربت أنامله من مساحيق تقنُّعها، فتحوّلت ملامحها المستعارة إلى حقيقة أكثر هشاشة. أبعد يده، متأملاً آثار الألوان المخضبة. خجلت هي، بينما هو ابتسم بمرارة لم تطلها هي.
"أنتِ هكذا أجمل، يا حبيبتي،" تمتم. "ليت المطر يفسد دائماً محاولاتك للتقنُّع."
أجابته بابتسامة تفيض وداً، ونظرة حانية ممتنة أزالت عنه ثقل الغياب الذي كان يراوده منذ ساعات. في تلك اللحظة، كان يرى فيها كل البراءة التي يخشى عليها من الزمن. كاد يزلّ به الهوى من غمرة فتنتها التي تسبح في فيض الشباب الزاهر، لكنه تذكّر أنهما في مكان عام، شبه خالٍ، لكن جدرانه تحمل عيوناً صامتة.
أزاح بصره عنها، ناظراً نحو بركة الماء المكدسة عند ركن الطريق، ساتراً وراءها حزناً خفياً اجتاح ملامحه فجأة. إنه حزن تراكمي، ليس وليد اللحظة. هو الهاجس القديم الذي يزوره كلما شعر باكتمال الفرح. سأل نفسه: كم يدوم هذا الجمال؟ ومتى سينقلب المطر الذي جمعنا إلى سيل يفرّق؟
اقتربت منه أكثر، ضغطت على يده بحنان بدا وكأنه محاولة لانتزاع روحه من تلك الأفكار الباردة.
"ماذا هناك، حبيبي؟"
ارتعش جسده، وتلفت نحوها بسرعة وفرحة عارمة. نعم، إنها المرة الأولى التي تتجاوز فيها اسمه الحافي إلى ذلك اللقب المكنوز في القلب. شعر كأنه ربح الجائزة الكبرى. شكر من أعماق قلبه المطر ومن ورائه كل شيء قادهما إلى هذه اللحظة.
"لا شيء،" أجابها محاولاً تجميع أنفاسه المبعثرة. "فقط أفكاري ترهق بالي دون سبب. هي أفكار مملة، لا تستحق هذا الجمال."
لم تقبل تبريره. حوّلت ضيقها إلى توبيخ رقيق: "بالنسبة لي، كل الدنيا مملة إلا أنت. أفكارك... كلماتك... أنت."
أشاحت بوجهها عنه قليلاً، وهمست بسرعة، كمن يتخلّص من سرٍّ يضنيها كتمانه: "وحبُّك."
في تلك اللحظة، تراقص قلبه بين أضلاعه ابتهاجاً، فاستشعر خفّة تفوق سني عمره بعقد أو يزيد. مرّ به هاجس قديم كتمه عنها: ليتها تبقى هكذا جريئة، بسيطة، بدون زينة. ثم عاد صوته الداخلي المخيف: آه يا حبيبتي، أخاف أن يسرق الزمان فرحتي بك، كما سرقها من قبل.
لم يدرِ أنها التقطت ظل الحزن في عينيه، فردّت بحدة عابرة: "لا تحوّل الأمر إلى دراما."
"وما تظنّين حياتي بدونك؟"
"أنا هنا،" قالت بيقين أرادت أن تغرس به الإيمان في قلبه الواهن. "المهم أن تحتفظ بي في قلبك."
عاد يراقب بركة الماء بذهن شارد. كانت تستقبل قطرات خفيفة تبعثر صفحتها الراكدة بدوائر لا تنتهي. هذه الدوائر هي ما يفكر فيه.
"هذه الدنيا دائرة مفرغة،" فكّر في صمت. "تطوّقنا في كل منعطف، وتعيد ذاتها كأفعى تروم خنق فرستها. كأن هذا العالم مسرحية روتينية، أولها آخرها." كان هذا الهاجس هو ثمن بقائه في عالم الذكريات.
قاطع النادل خلوتهما بسؤال عملي: "ماذا أحضر لكم؟"
كانت هي الأسرع في الرد، لأنها شعرت بثقل غريب يخيم على الرد. "لا شيء. كنا فقط نحتمي من المطر. نعتذر، سنغادر."
لم تكن القهوة قد طلبت بعد. لقد كان المقهى مجرد قفص زجاجي لـ "يوم الذكريات" الذي افتتح فجأة بينهما.
أفاق على صوتها وهي تمسك يده وتقودانه نحو الباب.لم يعد المطر غزيرًا، بل أصبح مجرد رش خفيف.
"سنغادر؟" تمتم بصوت خافت، مردداً صدى كلمتها الأخيرة دون وعي منه. "طبعاً سنغادر."
كانت هذه الجملة أكثر عمقاً مما قصد. لقد كان يشير إلى مغادرة زمن الفرح، مغادرة هذه اللحظة المهددة، ومغادرة يقينه بحبها.
سارا في الشارع، والأرض مبتلة بالكامل، تعكس أنوار المدينة المعتمة كبقع زيت متلألئة. التفتت إليه وسألته بنبرة شبه عتاب: "لماذا لم تقل شيئاً؟ لماذا كل هذا الصمت بعد أن فتحت لك قلبي؟"
توقف، واجتذبها إليه بقوة لم تعهدها فيه، ثم همس في أذنها: "لقد كنت أحاول أن أصدق أنكِ لن تغادري. كنت أتساءل كم سيستغرق هذا الربيع منكِ حتى يصبح خريفي."
تلك اللحظة، كان قد انتقل من الخوف إلى المواجهة. الحب لا ينجو بالهاجس، بل بالتحدي. لم تقل شيئاً، لكنها ضمت يده بقوة أكبر، وكأنها تجيب على هاجسه الأبدي: "هذه المرة لن يسرقنا الزمان."
في الخريف التالي، رجع وحيداً إلى ذلك المقهى. جلس عند ذات الطاولة. طلب قهوة بدون سكر. لم يكن المطر يهطل. كان الجو جافاً وبارداً كروحه.
لم يعد وحيداً تماماً. كانت الذكريات رفيقه. لكن هذه المرة،كانت ذكرياتها هي: ابتسامتها الودودة، ونظرتها الحانية، ودفء يدها وهي تضغط على يده بحنان، وكلمتها الختامية: "المهم أن تحتفظ بي في قلبك."
كانت تلك الكلمات هي ما تبقى. لقد غادرت، بالفعل. لم تسرقها الحياة، بل سرقها القدر. لكنها تركته مع درس جديد، درس لم تعلمه الأيام القاسية: أن الحب الحقيقي لا يتبخر، بل يتحوّل إلى ذكريات دافئة تُشرب مع القهوة المرة.








































