آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة غازي جابر
  5. رائحة الغربة ونكهة الوطن
⭐ 5 / 5
عدد المصوّتين: 4

بعد غيابٍ طال لخمسة عشر عامًا، عاد الحبيب. عاد كما غادر، شامخًا، ولكن بتواضعٍ يحاكي سكون الرياح في تلك الأرض التي تَعَلَّم منها كيف يكون الإنسان بكل مافيه من بساطة وجلال. لم يكن مجرد عائد، بل كان رمزًا للمثابرة والإصرار. وكأن الأيام لم تمضِ، وكأنها لم تكن سوى لحظات عابرة، تجتمع فيها الأرواح ويُختصر فيها الزمن.

 

ما إن اقترب من المكان حتى شعرنا به، وكأن عبير الغربة الذي حمله معه قد اختلط برائحة الأرض التي نشأ فيها، أو ربما كان وجوده في تلك اللحظة مجرد استحضار للذكريات، فكل شيء في هذا المكان كان يذكّرنا به: ابتسامته، طريقة كلامه، وحتى تلك الجمل التي اعتدنا سماعها وهو يروي لنا تفاصيل حياته بين حُلمٍ وحقيقة. عرفناه جميعًا كما نعرف أنفسنا، كان ابن القرية الطيب، أخًا ورفيقًا وصديقًا. لم يميز بين أحدٍ منا أبدًا، كان يعرف أن لا فوارق بين البشر في حضوره، ولا حدود للمحبة التي زرعها بين الجميع.

 

لقد عاش بيننا كأخٍ، وكان قريبًا منا في كل تفاصيل الحياة. كان له هدفٌ واضح، كان يسير نحوه كالسهم الذي لا ينحرف عن مساره. لم يكن السعي وراء المجد الشخصي غايته، بل كان شغفه الأكبر هو خدمة منطقته وأهلها. وعندما بدأ يحقق النجاح، كان النجاح حليفًا لجميع من حوله، لقد عمّت ثماره جميع أرجاء المنطقة. فبفضل جهوده، أدخل العديد من الخدمات الأساسية: مستشفيات، مدارس، وشبكات مياه كان أهل المنطقة في أمسّ الحاجة إليها. وكأن حياته كانت تجسيدًا حقيقيًا لتلك المقولة: "إذا ارتفع الواحد، ارتفع معه الجميع."

 

ولكن بعد تلك الأعوام الطوال من الغربة، عاد. عاد بعد أن تزوج من أجنبية، عاش معها حياة كانت تُمثّل له الحلم الذي تحقق، لكن شيئًا واحدًا ظلّ عالقًا في ذهنه: أرضه، وأهله، ومنطقته. وعندما قرر العودة، كان يشعر وكأن شيئًا من تلك الذكريات العتيقة لا بد أن يعود معه.

 

جلسنا معًا في ذلك المكان الذي كان يعجّ بالحياة يومًا ما. كانت الوجوه تختلف، كانت العيون تلمع في هذا اللقاء الذي حمل الكثير من الحنين. جلست إلى جانبه، حاولت أن أستشعر معه شعور الغربة الذي مر به طوال تلك السنوات. وكان كما قلت، رائحة الغربة تقترب منه، وكأنها أصبحت جزءًا من جسده وروحه.

 

سألته سؤالًا اعتياديًا عن صحته، فأجابني وهو يبتسم ابتسامة مليئة بالسخرية:

"يا صديقي، هل تظن أنني أبدو مريضًا؟ كما ترى، أنا أمامك بصحة جيدة، فما الذي يمكن أن يكون قد أثر عليّ؟ هل تعتقد أنني أعيش على البامية والملوخية فقط؟"

ضحكنا، فكان يضفي دائمًا على أحاديثه تلك السخرية المحببة التي تُضفي على حياته بريقًا من الفكاهة رغم الجدية التي يحاول أن يمررها بين كلماته. ثم أضاف:

"لا يا صديقي، أنا بخير. لم أعرف المرض يومًا، ولم يطرق بابي قط. لكن ما يفتقده قلبي هو رؤيتكم. أنتم، أنتم من كنت سببًا في عودتي، والسبب في شغفي للمجيء إليكم، ولذكريات تلك الأيام الجميلة التي قضيناها معًا. في الطفولة، في الزقاقات، في النوادي، حيث كنا نشترك في الأحلام والطموحات."

 

ثم تنهد وكأن الذكريات لم تفارقه، وأضاف بصوتٍ جاد:

"لكن، هذا لا يعني أنني كنت بعيدًا عما يحدث هنا. لم أنقطع عن متابعة أخباركم. سمعت عن أزمة المياه في المنطقة، وكيف لم يحدث أي تغيير إيجابي. هذا يزعجني كثيرًا. أردت أن أسأل عن أحوال المدارس، الشباب، وكيف يسير حال المنطقة بشكل عام. أريد منك تقريرًا كاملًا عن مكامن الخلل، حتى نستطيع التحرك سويا لتغيير ما هو في أيدينا."

 

كان حديثه مليئًا بالحماسة، وهو يسعى لتقديم المزيد من العمل الإنساني، وكأن سنوات الغربة لم تُطفئ جذوة العطاء في قلبه. كان يحرص على متابعة كل تفاصيل منطقته، بل أصبح له دورٌ كبير في تحسين حياتهم من بعيد.

 

وبينما كان الحديث يدور حول مشاكل المنطقة، كانت العيون تتابعه بشغف. كان حضور هذا الرجل بمثابة طوق نجاة في هذه الأيام الحالكة. ولاحظت أن الفتيات في المكان كان لديهن نظرة خاصة تجاهه، وكأن في أعينهن سؤالًا طويل الأمد: "هل يمكن أن يكون هذا هو الحبيب المنتظر؟"

 

كان الجميع يعرف أنه تزوج، وأنه قد اختار الاستقرار مع زوجته الأجنبية، وأن حياته أخذت منحى آخر، بعيدًا عن تلك الأحلام القديمة التي ارتبطت بالمنطقة. لكن، ورغم ذلك، ظلّ يحمل في قلبه حبًا لهذه الأرض وأهلها. تزوج بامرأة أجنبية، وله أبناء، لكنه لم يسمح لهذه الحياة أن تكون حاجزًا بينه وبين أهله وأصدقاءه. كان يقول دائمًا:

"لا أريد أربعة نساء في حياتي، كما تقول بعض الأقاويل. الحياة ليست في كثرة الزوجات، بل في فهمنا لحقيقة العيش بسلامٍ وطمأنينة."

وهكذا، ظل الحبيب الذي عاد بعد غياب طويل، ليس فقط بتاريخه وحضوره، بل بقلبه الكبير الذي لم يتوقف عن الاهتمام بمنطقته وأهلها. وعاد ليكون بيننا مرة أخرى، ليصنع الأمل، وليعيد الأمل إلى القلوب.

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب387278
2الكاتبمدونة نهلة حمودة249971
3الكاتبمدونة ياسر سلمي218195
4الكاتبمدونة زينب حمدي183777
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160524
6الكاتبمدونة سمير حماد 128070
7الكاتبمدونة مني امين123675
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120554
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116776
10الكاتبمدونة طلبة رضوان116669

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02