بعد غيابٍ طال لخمسة عشر عامًا، عاد الحبيب. عاد كما غادر، شامخًا، ولكن بتواضعٍ يحاكي سكون الرياح في تلك الأرض التي تَعَلَّم منها كيف يكون الإنسان بكل مافيه من بساطة وجلال. لم يكن مجرد عائد، بل كان رمزًا للمثابرة والإصرار. وكأن الأيام لم تمضِ، وكأنها لم تكن سوى لحظات عابرة، تجتمع فيها الأرواح ويُختصر فيها الزمن.
ما إن اقترب من المكان حتى شعرنا به، وكأن عبير الغربة الذي حمله معه قد اختلط برائحة الأرض التي نشأ فيها، أو ربما كان وجوده في تلك اللحظة مجرد استحضار للذكريات، فكل شيء في هذا المكان كان يذكّرنا به: ابتسامته، طريقة كلامه، وحتى تلك الجمل التي اعتدنا سماعها وهو يروي لنا تفاصيل حياته بين حُلمٍ وحقيقة. عرفناه جميعًا كما نعرف أنفسنا، كان ابن القرية الطيب، أخًا ورفيقًا وصديقًا. لم يميز بين أحدٍ منا أبدًا، كان يعرف أن لا فوارق بين البشر في حضوره، ولا حدود للمحبة التي زرعها بين الجميع.
لقد عاش بيننا كأخٍ، وكان قريبًا منا في كل تفاصيل الحياة. كان له هدفٌ واضح، كان يسير نحوه كالسهم الذي لا ينحرف عن مساره. لم يكن السعي وراء المجد الشخصي غايته، بل كان شغفه الأكبر هو خدمة منطقته وأهلها. وعندما بدأ يحقق النجاح، كان النجاح حليفًا لجميع من حوله، لقد عمّت ثماره جميع أرجاء المنطقة. فبفضل جهوده، أدخل العديد من الخدمات الأساسية: مستشفيات، مدارس، وشبكات مياه كان أهل المنطقة في أمسّ الحاجة إليها. وكأن حياته كانت تجسيدًا حقيقيًا لتلك المقولة: "إذا ارتفع الواحد، ارتفع معه الجميع."
ولكن بعد تلك الأعوام الطوال من الغربة، عاد. عاد بعد أن تزوج من أجنبية، عاش معها حياة كانت تُمثّل له الحلم الذي تحقق، لكن شيئًا واحدًا ظلّ عالقًا في ذهنه: أرضه، وأهله، ومنطقته. وعندما قرر العودة، كان يشعر وكأن شيئًا من تلك الذكريات العتيقة لا بد أن يعود معه.
جلسنا معًا في ذلك المكان الذي كان يعجّ بالحياة يومًا ما. كانت الوجوه تختلف، كانت العيون تلمع في هذا اللقاء الذي حمل الكثير من الحنين. جلست إلى جانبه، حاولت أن أستشعر معه شعور الغربة الذي مر به طوال تلك السنوات. وكان كما قلت، رائحة الغربة تقترب منه، وكأنها أصبحت جزءًا من جسده وروحه.
سألته سؤالًا اعتياديًا عن صحته، فأجابني وهو يبتسم ابتسامة مليئة بالسخرية:
"يا صديقي، هل تظن أنني أبدو مريضًا؟ كما ترى، أنا أمامك بصحة جيدة، فما الذي يمكن أن يكون قد أثر عليّ؟ هل تعتقد أنني أعيش على البامية والملوخية فقط؟"
ضحكنا، فكان يضفي دائمًا على أحاديثه تلك السخرية المحببة التي تُضفي على حياته بريقًا من الفكاهة رغم الجدية التي يحاول أن يمررها بين كلماته. ثم أضاف:
"لا يا صديقي، أنا بخير. لم أعرف المرض يومًا، ولم يطرق بابي قط. لكن ما يفتقده قلبي هو رؤيتكم. أنتم، أنتم من كنت سببًا في عودتي، والسبب في شغفي للمجيء إليكم، ولذكريات تلك الأيام الجميلة التي قضيناها معًا. في الطفولة، في الزقاقات، في النوادي، حيث كنا نشترك في الأحلام والطموحات."
ثم تنهد وكأن الذكريات لم تفارقه، وأضاف بصوتٍ جاد:
"لكن، هذا لا يعني أنني كنت بعيدًا عما يحدث هنا. لم أنقطع عن متابعة أخباركم. سمعت عن أزمة المياه في المنطقة، وكيف لم يحدث أي تغيير إيجابي. هذا يزعجني كثيرًا. أردت أن أسأل عن أحوال المدارس، الشباب، وكيف يسير حال المنطقة بشكل عام. أريد منك تقريرًا كاملًا عن مكامن الخلل، حتى نستطيع التحرك سويا لتغيير ما هو في أيدينا."
كان حديثه مليئًا بالحماسة، وهو يسعى لتقديم المزيد من العمل الإنساني، وكأن سنوات الغربة لم تُطفئ جذوة العطاء في قلبه. كان يحرص على متابعة كل تفاصيل منطقته، بل أصبح له دورٌ كبير في تحسين حياتهم من بعيد.
وبينما كان الحديث يدور حول مشاكل المنطقة، كانت العيون تتابعه بشغف. كان حضور هذا الرجل بمثابة طوق نجاة في هذه الأيام الحالكة. ولاحظت أن الفتيات في المكان كان لديهن نظرة خاصة تجاهه، وكأن في أعينهن سؤالًا طويل الأمد: "هل يمكن أن يكون هذا هو الحبيب المنتظر؟"
كان الجميع يعرف أنه تزوج، وأنه قد اختار الاستقرار مع زوجته الأجنبية، وأن حياته أخذت منحى آخر، بعيدًا عن تلك الأحلام القديمة التي ارتبطت بالمنطقة. لكن، ورغم ذلك، ظلّ يحمل في قلبه حبًا لهذه الأرض وأهلها. تزوج بامرأة أجنبية، وله أبناء، لكنه لم يسمح لهذه الحياة أن تكون حاجزًا بينه وبين أهله وأصدقاءه. كان يقول دائمًا:
"لا أريد أربعة نساء في حياتي، كما تقول بعض الأقاويل. الحياة ليست في كثرة الزوجات، بل في فهمنا لحقيقة العيش بسلامٍ وطمأنينة."
وهكذا، ظل الحبيب الذي عاد بعد غياب طويل، ليس فقط بتاريخه وحضوره، بل بقلبه الكبير الذي لم يتوقف عن الاهتمام بمنطقته وأهلها. وعاد ليكون بيننا مرة أخرى، ليصنع الأمل، وليعيد الأمل إلى القلوب.








































