تربّينا في مجتمعٍ لا يُقاس فيه العمر بالسنين، بل بالمواقف والمواقف فقط. مجتمعٌ يُوقّر فيه الصغيرُ الكبير، ويحنو فيه الكبيرُ على الصغير كأنه امتدادٌ لضلعه أو قطعة من فؤاده. كنا ننهل القيم كما يُنهل الماء من ساقية الجِد، لا نحتاج إلى مدارس تُعلِّمنا الأدب، لأن الأدب كان يُلقّن على عتبات البيوت، وفي ظل الجميز، وعلى حوافّ الجِرار الممتلئة بماء الحياة.
كان جدُّنا، حين يجلس بيننا نحن الأحفاد وأبناءه كأنّه شجرة السدر التي ظللتنا يوم القيظ، يقول بصوته العميق وقد حفرت الأيام تجاعيد الحكمة في وجهه:
"يا أبنائي، أنا وآباؤكم وأمهاتكم لن نكون معكم إلى الأبد... فلا تغترّوا بطول المقام، تعلّموا ما ينفعكم، فإن كل كلمة صادقة تُقال لكم هي زادٌ ليومٍ لا نكون فيه. إذا تحدّث إليكم الكبار فأصغوا، لا لأنهم أعلى منكم منزلة، بل لأنهم مرّوا من الدروب التي أنتم فيها الآن. ما سأقوله لن تجدوه في الكتب، ولا بين دفّات المناهج، بل هنا فقط، بين القلوب الدافئة والعيون الساهرة على تماسك هذا البيت."
ثم يرمقنا بنظرة طويلة، كأنّه يُودّع الزمن:
"هذه المائدة التي تجلسون حولها ليست مجرد خشبٍ وأطباقٍ وطعام. إنها ديوانٌ تُدار فيه قرارات الحياة. حافظوا على بعضكم، لا تذروا الأمور الصغيرة تفتّت ما بناه الكبـار. لا تسمحوا للغضب أن يطعن روابط الدم. نحن لم نتربَّ على التفرقة ولا الشتات، بل شربنا من نهر الوحدة، وتربينا على خبز المشاركة، وكان لكل بيت في القرية نصيب في القلب كما في اللقمة."
ثم يبتسم ويكمل:
"أنظروا حولكم، هذه الأسرة التي تراها، لم تكن كذلك لأننا امتلكنا المال أو النفوذ، بل لأن صفاء النفوس هو ما كبر بنا، ونقاء القلوب هو ما أبقانا متماسكين. الغاية كانت واحدة: أن نحيا بكرامة، وأن لا يذلّنا الجوع، ولا يهزمنا الانكسار. والدكم، رحمه الله، لم يكن رجلاً عادياً، كان أحد أعمدة القرية، وكان ديوانه مفتوحاً للفقراء قبل الميسورين، للغريب قبل القريب. لم يكن مجلسه مكاناً للرغو والكلام، بل مزاراً للعدل، تُذبح فيه الكرامات بمعنى الكرم، لا الإهانة. كان مجلسه عزّةً، وكان كرمُه مرآةً لأخلاقه."
يختم حديثه وهو يحدق في عيوننا كمن يُلقي بالوصية الأخيرة:
"ما نحن فيه اليوم من تماسك وطمأنينة، لم يأتِ صدفة، بل هو نتاج معدن أصيل. نحن لم نكن كبارًا بأجسادنا، بل بقيمنا. فاحملوا هذا المعدن في قلوبكم، ولا تدعوه يصدأ مع تغيّر الزمان."








































