إلى أمي التي أحببتها...
إلى أمي، التي لم يفارقني طيفها يومًا، ولا جفَّ نبع حنانها من قلبي.
إلى أمي التي كنتُ ألجأ إليها كلما ضاق صدري وانغلقت أمامي الأبواب، فأجد عندها دائمًا الحل الجذري، والنصيحة الصادقة، والقلب الذي يتسع لكل همومي.
لم تكن أمي أمًا فحسب، بل كانت رفيقةً وصديقة، لم أشعر في حضورها يومًا بوحدة أو فراغ. كانت الحياة تُروى في عينيها، وتزدهر في ظلها الأيام.
أما الحنان والعطف، فقد ورثتهما عن أجدادها، وجعلتهما نهجًا لا تحيد عنه. لم يقتصر عطاؤها عليّ أو على إخوتي، بل امتد إلى أبناء الجيران، وإلى كل طفلٍ يحتاج لابتسامة أو لمسة دفء.
لم أرها يومًا ترفع صوتها على أحد، ولا دخلت في خصومة مع بشر. كانت مسالمة بطبعها، عطوفة بطريقتها الفريدة، محبةً لكل من حولها. تسبق الناس إلى الخير، وتبادر إلى حملات المناصرة من أجل قضايا الوطن والناس، مؤمنةً بأن السلام حق للجميع، وأن القلوب البيضاء لا تعرف الحدود.
أذكر يومًا قائظًا من أيام الصيف، كان الناس فيه متجهمين وكأنهم في يوم حشرٍ لا يلتفت فيه أحد إلى أحد. في ذلك الزحام، وقعت عجوز مسنّة على الأرض، ولم تستطع حتى أن تستغيث، إذ عرفنا لاحقًا أنها لا تنطق.
أفلتت أمي يدي فجأة، وانطلقت كأنها سهم من نور تهتف:
"النجدة! النجدة!"
لكن أحدًا لم يتحرك، وكأن الشهامة قد هجرت القلوب.
وصلت إليها أمي، وبذلت جهدها لرفع السيدة، فوجدت نفسي ممسكًا بيد العجوز معها، نطلب المساعدة سويًا. ليتني لم أرافقها ذلك اليوم! فقد ظن الناس أن المرأة جدتنا، وراحوا يلوموننا:
"كيف تتركون جدّتكم هكذا؟!"
لكن الحقيقة أنها لم تكن من منطقتنا، ولا نعرف عنها شيئًا. كان ما فعلته أمي عملًا إنسانيًا خالصًا لا ترجو به سوى وجه الله.
وحين هدأ الموقف، التفتُّ إليها وسألتها بدهشة:
"من أين جئتِ بهذه الطاقة يا أمي؟ كيف اندفعتِ بهذه السرعة؟"
ابتسمت بهدوء وقالت:
"يا بُني، عندما تكبر ستفهم. لكن الآن، تخيّل أن تلك المرأة أنا، أمك، وأنت تمر من هنا… ألا تهرع بكل ما تملك لإنقاذي؟ أليست هذه هي الفطرة؟"
هكذا علمتني أمي أن نحترم الآخرين ليحترمونا، وأن نساعد ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وأن نفعل كل ما في وسعنا لنصرة الملهوف. فهذه الدنيا، كما كانت تقول، ليست إلا دار عبور إلى دار أخرى.








































