من يعرف أنه ابن هذا الوطن، لا يمكن أن يجامل في قضاياه المصيرية، وعلى رأسها السيادة الوطنية. فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا سياسيًا يتردد على ألسنة المسؤولين، بل هي جوهر الانتماء وروح الوطنية. هناك أمور كثيرة قد نختلف حولها؛ في السياسة، أو الفكر، أو أساليب الحكم والإدارة. غير أنّ رغبتنا في أن نرى وطننا مهابًا بين الأمم، عزيزًا في أعين أبنائه، محترمًا في المجتمع الدولي، تظل رغبة صادقة توحدنا جميعًا مهما تباينت رؤانا.
إنّ غرس مفاهيم الدفاع عن الوطن ينبغي أن يبدأ منذ الطفولة، في البيت والمدرسة والنادي ومجالس الشباب. فكما نتعلم من أساتذتنا قيمة العلم، ومن الأطباء قيمة الصحة، ومن رجال القانون قيمة العدالة، يجب أن نتعلم أيضًا قيمة الدولة وسيادتها، وأن تكون لنا معها رابطة وجدانية لا تقل أهمية عن تلك القيم. ليس المقصود هنا سلطة البندقية والقانون وحدها، بل سلطة معنوية يفرضها إيمان الناس بدولتهم، واستعدادهم لحمايتها والدفاع عنها.
لقد كانت للأستاذ في وجدان المجتمع سلطة، ولرجل القانون مهابة، وللطبيب مكانة، وهذه رموز تعكس احترام الناس للعلم والنظام والعدل. وبالمثل، يجب أن نرى للدولة سلطةً في ثقافتنا الشعبية، سلطةً قوامها الوعي الجمعي والولاء الوطني. فعندما يجرؤ أحد على الإساءة إلى الوطن أو التقليل من شأن سيادته، فإن رفض المجتمع له ينبغي أن يكون موقفًا تلقائيًا، لا تصعيدًا عدائيًا، وإنما تعبيرًا عن شعور وطني يفرق بين حرية النقد البناء وبين الطعن في الوطن.
نحن بطبيعة الحال نتفهم الاختلافات الفكرية والسياسية، بل ونرحب بها باعتبارها جزءًا من حيوية المجتمعات الحديثة. فحرية الرأي والاختلاف لا تُضعف الدولة بل تقويها، لأنها تفتح أبواب النقاش وتغني التجربة الديمقراطية. لكن هناك خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه، هو المساس بسيادة الدولة ووحدتها. فذلك ليس مجالًا للاجتهاد ولا للمساومة، لأنه يتعلق بوجود الوطن ذاته.
ومن هنا تأتي أهمية الاتفاقيات السياسية التي تُبرم لتوحيد الدولة على أسس طوعية، بين مكوناتها المختلفة. هذه الاتفاقيات ليست أوراقًا عابرة، بل هي تعاقد وطني شامل، يجب أن يُصان ويُحترم. لا يجوز أن تُختطف إرادة الدولة أو تُفتت استنادًا إلى رغبات أفراد أو طموحات نخبة محدودة فشلت في الماضي وأثبتت التجارب ضعفها وعجزها عن حمل هموم الشعب. لقد رأينا كيف أن كثيرًا من تلك النخب انشغلت بمصالحها الضيقة، ودخلت في محاصصات واتفاقيات لم تخدم سوى مكونات معينة وأشخاص معدودين، بينما ظل الشعب الواسع خارج حساباتها.
إنّ خطورة تلك النخب لا تكمن فقط في فشلها في إدارة الدولة، وإنما أيضًا في محاولتها المتكررة لتبرير هذا الفشل عبر اتفاقيات شكلية تُقدم وكأنها إنجازات تاريخية، بينما هي في حقيقتها صفقات محدودة تتجاهل حتى حقوق المختلفين معها، مع أنهم أولًا وأخيرًا مواطنون لهم كامل الحق في المواطنة.
فالمواطنة ليست منحة من أحد، بل هي حق أصيل تُقره الدولة وتكفله. وهي المعيار الذي يُبنى عليه الولاء والانتماء، دون تمييز أو إقصاء. إنّ الدولة القوية هي التي تقيم هذا الحق على أسس متينة، وتضمنه لكل أبنائها بلا استثناء، أما الدولة الضعيفة فهي التي تُختزل في طموحات نخبة أو تتحول إلى أداة لمصالح ضيقة.
إنّ سيادة الوطن لا تُصان بالشعارات ولا بالخطابات، بل تُصان بالوعي الشعبي المتماسك، وبمؤسسات قوية عادلة، وبثقافة وطنية ترى في الدفاع عن الدولة واجبًا مقدسًا لا يقل عن أي واجب آخر. وهذا يقتضي منا جميعًا أن نربي أبناءنا على قيمة الانتماء، وأن نُعلّمهم أنّ الوطن ليس مجرد خريطة على الورق، بل هو تاريخ ومصير وهوية وحقوق وواجبات.
وفي النهاية، يمكن القول إنّ اختلافاتنا في الفكر والسياسة يجب أن تظل تحت سقف الوطن، أما وحدة الدولة وسيادتها فليست مجالًا للمساومة ولا للاجتهاد. فالوطن الذي نختلف داخله ونعيش فيه، أفضل من وطنٍ نتنازع عليه ونفقده جميعًا.








































