تتشابه الحياة أحيانًا مع مزحةٍ تبدو سخيفة، لكنها في الحقيقة تعبّر عن واقع نعيشه، بل وربما أصبحت أسلوب حياة.
تقول النكتة: سأل أحدهم رفيقه:
ــ أيهما أكثر إفادة للبشر: الشمس أم القمر؟
فأجاب الرجل بعد تفكيرٍ طويل وكأنه بصدد اكتشافٍ علميّ عظيم:
ــ أعتقد أن القمر أكثر فائدة؛ لأنه يأتي ليلًا حيث الظلام، فينير الطريق. أما الشمس، فهي تأتي نهارًا حيث لا نحتاج إلى الضوء، لأن المكان مضاء أصلًا!
ورغم بلاهة التفكير، وبُطلان المنطق، إلا أن هذا النوع من التفكير للأسف بات شائعًا في حياتنا.
نُهمل ما هو واضح وقريب، ونحتفي بما هو غائب وبعيد.
من منّا لا يعيش في محيطٍ ممتلئٍ بالأشخاص الذين يحيطون بنا من كل جانب، لكننا لا ندرك قيمتهم، ولا نعترف بأهميتهم، فقط لأنهم دائمًا هنا، دائمًا في الجوار، مألوفون حدّ الإهمال؟
إنه الإعتياد القاتل.
خذ مثلًا الزوجة التي تتذمّر من زوجها، وتراه بلاءً من السماء، وتفسّر زواجهما على أنه كفارة لذنوبها!
سنوات طويلة عاشاها معًا لا تُذكر فيها لحظة خير واحدة، لأن الاعتياد طمس الإيجابيات، وغذّى التذمر، وصار وجوده إلى جوارها وكأنه حق مكتسب لا يُقدَّر.
هل جرّبت تلك الزوجة أن تتخيل حياتها دون هذا الزوج؟
ربما لو فعلت، لرأت مشهدًا مختلفًا، ولأدركت نعمة كانت تراها عبئًا!
وعلى الجانب الآخر، هناك الزوج الذي يهمل زوجته، ويتجاهل مشاعرها، ولا يرى منها سوى الجانب المزعج، فيحمّلها كل ضغوطه وأمراضه، وربما اتهمها بأنها سبب نكد حياته كلها.
بينما الحقيقة أنّ هذه الزوجة تتحمّل الكثير، تصمت كثيرًا، تُخفي أوجاعها ولا تشتكي، وتبذل جهدًا مضاعفًا كي يحيا هو بسلام.
ولكن... الاعتياد أعمى عينيه.
ومن لم يغضب يومًا من والديه؟
كم مرة ظننا أنهم مجرد مصدر للأوامر، ومصدر للمنع والتحكّم، ونسينا أنهم من يُغلق الباب على جراحنا بأجسادهم، ويمنعون عنا السوء بقلوبهم؟
لم ندرك يومًا أنهم حين قالوا "لا"، كانوا بذلك يقولون: "نحن نخشى عليك"!
الأخ مع أخته، يظهر كالعقبة، حارسًا على تفاصيلها، يتدخل، يمنع، يراقب.
لكن، ماذا لو رأينا المشهد من زاويته؟
إنه يرى فيها الجوهرة التي يجب أن تُحمى، ويتعامل بدافع الحب وإن بدا قاسيًا.
حتى الأصدقاء، أولئك الذين يرافقوننا في كل لحظة، ربما لم ندرك روعة وجودهم إلا حين يسقط البعض وتتساقط الأقنعة، بينما يبقى هؤلاء الأوفياء، يفرحون لنا بصمت، ويحزنون لأجلنا دون انتظار مقابل.
لماذا لا ندرك قيمة من حولنا إلا بعد أن نفقدهم؟
لماذا نحتاج إلى فراقٍ أو موتٍ أو غيابٍ قاسٍ حتى نقول: "يا ليتنا قدّرناهم وهم بيننا"؟
إنها الحماقة، حين نضنّ بكلمة امتنان، أو نظرة محبة، أو احتضان عابر، بينما القلوب التي بجوارنا لا تطلب سوى قليل من الحب والإنصاف.
إلى كل من يقرأ هذه الكلمات، رفقًا بمن تحبون...
رفقًا بمن يحتملون، يصمتون، يؤثرون على أنفسهم من أجلكم، ويبتسمون لكم رغم وجعهم.
لا تنتظر لحظة الفقد لتندم،
ولا تعتقد أن الوقت دائمًا متاح.
فرص التعبير عن الحب لا تعود حين تُهدر،
والكلمة التي يجب أن تُقال اليوم قد لا تجد الوقت أو من تُقال له غدًا.
عفوًا، كانت لديكم فرصة...
لكنكم أضعتموها بكبريائكم، بعنادكم، وربما بغبائكم.
والآن، فليبقَ الندم في قلوبكم حتى موعد اللقاء عند من لا تخفى عليه خافية.
أما من لا يزال يملك فرصة، فلا يضيعها.
احتضنوا من تحبون، قولوا لهم ما تشعرون به، وامنحوا قليلًا من التقدير لمن يستحقونه،
فربما تكون نظرة رضا، أو كلمة شكر... كافية لتُضيء حياة إنسان بالكامل.








































