تنهدت السيدة وهى تقول بزفرة وجع نعم يا بنيتي كانت رحمة كمن تقف على أظفار أصابعها معلقة بحبل من رقبتها بينما تحت أقدامها زجاج منثور فوق جمرات مشتعلة .
وما أن أنهت عبارتها حتى أغرورقت عيناها بالدموع وكأنها تستعيد أحداثًا يمثل مجرد التفكير فيها ألم ووجع لا يُحتمل .
الفتاة وقد أصبحت أسيرة لصوت السيدة وملامحها التي أصبح يكسوها الحزن وهل يعقل ذلك حقًا !؟
هل يمكن أن يحتمل أي إنسان هذا القدر من الألم ؟
أليس الموت لأمثالنا رحمة؟
هنا إنتفضت السيدة معترضة وهى ترد بقوة وحسم يمتزجان بيقين راسخ لا يا بنيتي ما كان لمن يملك ذرة من إيمان بقلبه أن ييأس من رحمة الله ولطفه .
أردفت قائلة هناك حكمة لكل شئ فنحن لا نعلم ما يخبئه لنا القدر. ولا تنسي أننا وحتى نحصل على أطيب العصير علينا أن نعتصر الثمرة لأخر قطرة حتى تخرج أجمل ما بداخلها وهكذا يبلونا الله أحيانًا ليس ليعاقبنا أو لجرم إرتكبناه ولكن ليصطفينا ويقربنا ويرفعنا بهذا الإبتلاء لدرجة أعلى وأرقى لم نكن نستحقها لولا هذا البلاء .
الفتاة بفضول ولكنك لم تخبريني عن رحمة وما عانت منه بحياتها ؟ وما هو مصيرها ؟ هل قاومت أم إستسلمت ؟ كيف كانت وأين أصبحت ؟
السيدة بإبتسامة محببة للنفس تريح الناظر إليها سأخبرك يا بنيتي سأخبرك بكل شئ .
تنهدت وابتلعت ريقها قبل أن تعود بذاكرتها وظهرها للوراء وهى تقول بصوت مفعم بالألم
كانت رحمة العائل الوحيد لوالديها بعد عجز أبيها عن العمل بسبب الأمراض التي إستوطنت جسده المنهك ووالدتها التي ذهب بصرها بسبب ماكينة الخياطة التي أفنت عليها عمرها فانحنى ظهرها وذهب بصرها وهى تجاهد لتكمل رحمة تعليمها وتساعدها بتربية إخوتها الصغار .
كانت رحمة تعمل مساءًا بإحدى الصيدليات وتدرس صباحًا وما بين ذلك تقوم على خدمة والديها وإخوتها وذلك دون كلل أو ملل وبلا تأفف أو ضجر .
بل وفوق ذلك كانت تساعد جيرانها وكل من تظن أنه بحاجتها .
حتى ذلك الوقت كان كل شئ محتمل ويمكنها التعامل معه بقوة وثبات وذلك ليقينها أن الله لا يكلف أي إنسان فوق طاقته "لَايُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا "
كانت رحمة تبادل زميلها بالكلية والذي يسبقها بعامين مشاعر راقية تعاهدا أن تُكلل بالرباط المقدس ولكن وكما يقولون تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فما أن أنهت دراستها حتى تقدم لها رجل ميسور الحال للزواج منها .
رفضت رحمة ذلك الإرتباط وقاومت بكل ما أُوتيت من قوة حتى جاء ذلك اليوم الذي تم نقل والدتها للمستشفى بمرض خطير وقد أخبروها بأنها تحتاج لتدخل جراحي وأن تكاليف العملية يتجاوز كل قدراتها وقدرات من تعرفهم كانت والدتها مهددة بالعجز الكلي .
وقف زميلها وزوجها المنتظر موقف العاجز والذي لا حيلة لديه لينقذ أحب وأغلى إنسانة على قلب من يحب .
هنا يظهر العريس الميسور ليدفع كل الفواتير ومصاريف العملية والتي تجاوزت ما يمكن سداده مستقبلًا .
وجاءت اللحظة والتي يجب عليها بأن تدفع الثمن والمقابل لهذا الرجل الذي إستغل هذا لصالحة وليحصل على الفتاة الجميلة ذات الخلق والتي أصبحت صيدًا سهلًا بسبب حبها لأمها .
كانت لحظة فراق من تحب هى الأصعب بكل حياتها .
فراق بلا حديث بلا مبررات فقط النظرات الممتلئلة بدموع العجز والقهر .
الفراق هو التضحية والتي بذلتها دون تردد .
لم تتحدث الألسنة ولكنها باحت العيون وخرج زفير القلب بشهقة الوداع .
وهكذا تم الزواج على عجل سدادًا لدين يقيد قلبها وروحها قبل يديها ورقبتها لتكتشف أنها ليست سوى تحفة ببيت زوجها الذي أراد أن يتباهى بها أمام أصدقاءه وأقاربه وأيضًا كخادمة لأمه المتعجرفة سليطة اللسان .
كم ودت أن تعوض موت والدتها بأم زوجها ولكن هيهات .
كانت مساعدات زوجها لأبيها وتكفله بنفقات أخوتها قيد أخر يلتف على رقبتها بعد أن رفض زوجها عملها لمساعدة أهلها .
كل يوم يمر تزداد القسوة من زوجها وتزداد الإهانة وسلاطة اللسان من والدته والشكوى أو التذمر من الممنوعات .
ظلت رحمة على هذه الحالة لسنوات وكل من ببيت زوجها وعائلته يعايرها بعدم الإنجاب فهى بالنسبة لهم أرض بور وشجرة غير مثمرة لا تستحق الحياة .
كم إحتملت من التجريح بالتلميح وبصريح العبارات وهى حامدة صابرة محتسبة تدعو الله أن يخفف عنها وأن يرزقها الصبر الجميل .
حتى جاء اليوم الذي أخبرها فيه زوجها الإستعداد لإجراء عملية هامة حتى تستطيع الإنجاب .
كانت تعلم أن مصيرها سيكون كمن سبقنها بهذا البيت وهو الطلاق فهى ليست الاولى ولا حتى الثانية ولكنها الثالثة .
لا تنسى رحمة صباح ذلك اليوم والذي ذهبت للمشفى لإجراء بعض الفحوصات إستعدادًا للعملية .
بذلك اليوم وجدت فتاة تعمل كممرضة تقترب منها بخيفة وتوجس وهى تقول لها بحذر هل أنت متأكدة من قيامك بتلك العملية ؟
رحمة وقد تعجبت لهذا السؤال وهى ترد وهل هى خطيرة لهذا الحد ؟
الممرضة سأخبرك ولكن عديني بأنك لن تخبري أي أحد بما سأبوح به لك أعقبت قولها بتهيدة حارة وهى تقول لو علمت إدارة المشفى فسيتم فصلي وربما سجني وأنا لا ظهر لي ولا سند .
هنا شعرت رحمة بخطورة الأمر لتقول بحسم وصدق أعدك بذلك بل وأقسم لك على هذا .
الممرضة وقد شعرت بالإرتياح لتقول لرحمة عندما رأيتك أحسست أنك إنسانة طيبة وأنك مثلي لا سند لك .
رحمة سندي وملاذي هو الله وهو سيكفيني كل من أراد بي سوء .
الممرضة وهى تقترب من أذن رحمة لتقول بهمس ربما لم يغادر شفتيها مما جعل رحمة تقترب منها حتى كادت تلتصق بها لتسمعها وهى تقول بخوف منذ ثلاثة أيام وعندما جاء زوجك ليتفق مع ذلك الطبيب معدوم الضمير كنت على وشك الطرق على الباب والدخول بأحد الملفات ولكنني ترددت عندما سمعت الطبيب يقول لزوجك وكأنه يساومه…
ــــــــــــــــــــــ
يتبع








































