ثَمّة نِعَمٌ تتواجد بيننا في صمت، لا تُحدِث صخبًا ولا تفرض وجودها، لكنها تمسك بتفاصيل أيامنا كما تمسك الخيوط الخفية بنسيجٍ متماسك لا نراه.
نمرّ بها مرورًا عابرًا، حتى نألفها إلى درجة الغفلة، فنظنها روتينًا لا جديد فيه، بينما هي في جوهرها المعجزة اليومية التي تحفظ لنا الحياة من الانهيار.
ـــ
مثال ذلك: الصحة والعافية، جميعنا نعتبرها حقًّا مكتسبًا، حتى إذا مسّنا السقم يومًا أدركنا أن كل نَفَسٍ يخرج بيسر هو نعمة عظيمة.
أو ذلك العمل الذي نشكو إرهاقه، من منا لا يشكو متاعب وسخافات عمله؟ وما إن نفقده حتى ندرك أنه كان سندًا وملاذًا، لا عبئًا فقط.
أو ذلك البيت الذي نضيق بجدرانه، وتلك الأسرة التي ترهقنا بالواجبات، أو الأبناء الذين نتحمّلهم ونشعر بعبءٍ وكِبَر مسئوليتهم… جميعهم نِعَمٌ عظيمة لا يعرف قيمتها إلا من افتقدها أو عاش يومًا واحدًا دون دفئها.
ـــ
كم من يومٍ عاديّ مرّ علينا فنعتناه بالملل أو الرتابة، بينما كان في حقيقته يومًا آمنًا، يكفي أنه:
لم يحمل جرحًا لا يندمل،
ولا حزنًا لا يُحتمل،
ولا فقدًا يترك في القلب حزنًا مقيمًا.
أيها الغافل وأنا مثلك، ألا يكفي أنه مرّ بسلام؟
ـــ
كم أشعر أنني شخصيًّا، بل جميعنا، مدينون لهذه الأيام الرتيبة والمملة بالاعتذار.
ألا يكفي أنها منحتنا حياةً أكثر هدوءًا مما نظن؟
ألا يكفي أنها حملت في طياتها من النِّعَم ما لا يُحصى؟
لكن طبيعتنا البشرية الغافلة لا ترى النور إلا إذا غاب، ولا تُقدّر الأمان إلا حين يتصدّع.
ـــ
الحقيقة أن النعمة لا تُختبر بقيمتها حين تفقدها، بل بشكرها وهي في متناولك.
والشكر ليس مجرد كلمات تُقال، بل وعيٌ يقِظ يردّد في كل لحظة:
الحمد لله على ما كان، وما هو كائن، وما سيكون.
ـــ
فلنشكر الله على ما رأيناه وما لم نره، على ما شعرنا به وما لم نشعر.
فلنشكره على تلك النِّعَم المخفية التي نُخطئ حين نعدّها عادية، وهي في حقيقتها معجزات يومية.
ـــ
أيها الغافل، لحظة من فضلك!
عليك الآن أن تراجع نفسك وقناعاتك،
أن تنظر حولك، أن ترى ما لم ترَه من قبل،
حتى لا تفقده فتخسر كل شيء.
وتذكّر أنّه:
بالشكر وحده تدوم النِّعَم،
وبالغفلة تزول،
وبالرِّضا وحده نبلغ السلام.








































