- سوف أقتله.. سوف أقتله.
- سوف أقتلك؛ ليستريح قلبي ويهدأ بالي وتستقر روحي.
عاد بذاكرته للوراء ليتذكَّر كيف ترعرعا معًا وكيف مضَت بهما الحياة، لا يفترقان أبدًا إلا وقت النوم، ورُبَّما وببعض الأحيان لا يفترقان، كانا كالتوأم الملتصق أو أشد التصاقًا.
ببداية الأمر كان التفاهم يسود علاقتهما، فلا يختلفان إلا نادرًا وإن اختلفا لا يمر اليوم إلا وقد تصالحا.
ظلَّ هذا حالهما حتى كبِرا وأدركا ما يدور من حولهما من أحداث غيَّرت مجرى الحياة، فلم تعد كما كانت.
تذكَّر بداية الخلاف وكيف اتسعت الفجوة بينهما وانفرجت الهُوَّة عندما تصادمت رؤاهم واختلفت أفكارهم، فهو يرى أنَّ الإنسان العاقل عليه أن يُطأطئ للعاصفة حتى تمر، وينحني أمام الريح حتى لا يُقصَم ظهره، بينما رفيق حياته يتبنى مفهوم المواجهة، ويرى أنَّ الانحناء جُبن ومسايرة الموج ضعف، وغض البصر هروب.
ظلَّ الخلاف بينهما مقبولًا ومحتملًا ويمكن التعايش معه حتى أتت اللحظة الفارقة، والتي غيَّرت مفهوم التعايش فيما بينهما إلى وجوب التخلص من أحدهما، لتستقيم الحياة للآخر.
فجأة، وكنتيجة حتمية لذلك الانقسام أصبح هناك فريقان وكلٌّ منهما يكيل للآخر الاتهامات واللعنات، ويصفه بأبشع الصفات وينعته بالخيانة.
اشتدَّت الأزمة، وصارت الفجوة عميقة، والهُوَّة سحيقة، وأصبح لزامًا على كلٍّ منهما أن يختار فريقه ويعلن انحيازه وانتماءه بوضوح.
أقنع نفسه بصحة اختياره للفريق الناجي من وجهة نظره؛ فهو ينحاز للانحناء والسير مع ركاب العاقلين، فهُم الأغلبية ومعهم سينجو وستمرُّ العاصفة، ولكن -وليثبت لفريقه أنه جدير بهم وبمرافقتهم- كان عليه أن يمر بالاختبار الأقسى بحياته.
كان عليه أن يقتل رفيق عمره وحياته ويتخلَّص منه؛ حتى لا يكون سُبَّةً بجبينه ونقطة ضعف لخصومه .
- نعم سأقتلك، سأقتلك، سأقتلك.. سامحني يا رفيقي؛ فما عادت الحياة تحتملنا نحن الاثنان، ولا مناصَّ من إزاحة أحدنا للآخر.
هل جربت يومًا أو عشت ذلك الصراع؟
هل يمكنك اتخاذ قرار بالقتل وتنفيذه؟
سأنجح بذلك ولن أتردَّد.
سأقاوم كل مخاوفي وسأمحو ذاكرتي وذكرياتي؛ لأعبر تلك الأزمة، وليعود الأمان لحياتي والاستقرار لنفسي.
كان قد اتَّخذ قرارًا بأن يكون القتل على مراحل، وبكل مرحلة يقتل جزءًا من رفيقه ويُمزِّقه بالقطعة، ولكنه وفي غمرة الصراع نسي أنه -ومع كل قطعة كان يقتطعها من رفيقه- كان يفقد جزءًا منه هو.
أثناء قتل رفيقه كان يشعر أنه يختفي ويتلاشى، ولكنه سُرعان ما كان ينفض ذلك الهاجس عن عقله.
وما إن أنهى مهمته الكُبرى، ونجح بقتل وتمزيق آخر جزء من رفيقه، وظنَّ أنه قد تحرَّر منه للأبد، حتى أدرك ذلك الجُرم الذي اقترفه بحق نفسه.
أدرك ذلك من خلال نظرات الآخرين له، والذين أيقنوا أنَّ حاله قد تبدَّل للأسوأ، وأنَّ رفيقه كان يحميه من نفسه ومن شرورها.
نظر بالمرآة وابتسم بسخرية، وهو يُشير لنفسه قائلًا وكأنه يُحدِّثها:
- ألم تخبريني أنني بقتله سأستريح وسأشعر بالأمان؟
ألم تخبريني أنَّ سعادتي تكمُن بموته؟
ها أنا قد قتلته.
نعم، قتلته.. قتلت (ضميري).
وأصبحت وحيدًا وبلا ضمير,
لمَ أشعر بالضياع إذًا؟
كان انعكاس صورته بالمرآة يغيب، بل يتلاشى ليختفي ويتحول إلى مسخ مُشوَّه قبل أن يصبح عَدَمًا.
*
تمت
القتيل .. قصة بقلم ايمن موسي
- 🔻
-
- بقلم: أيمن موسي أحمد موسي
- ◀️: مدونة ايمن موسي
- الزيارات: 211
- رقم التوثيق: 12258








































