في تلك الفترة التي انغلقتُ فيها على نفسي، كنتُ أعود للسؤال ذاته كل ليلة:
لماذا نقرب من الناس؟ لماذا نتعلّق؟
إذا كان مصيرنا في النهاية أن نفارق ونُترَك وحدنا، نحمل الخسارات على أكتافنا كأنها أقدار مكتوبة؟
ما جدوى وجودنا أصلًا إذا كان كل ما نعيشه سينتهي إلى فقدٍ مؤلم؟
كنت أظن أن الاقتراب خطأ، وأن التعلّق فخّ، وأن المحبة ما هي إلا بداية لجرحٍ مؤجل.
لكنني مع الوقت، حين هَدَأ الضجيج في داخلي، اكتشفت أن الأمر أعمق من هذا بكثير.
الفقد ليس عكس الوجود، بل وجه آخر له.
هو لا ينفي الحضور، بل يُعيد تشكيله بطريقةٍ خفية.
فالذين فارقونا لم يغادرونا حقًا؛ إنما تسلّلوا إلى أرواحنا بصيغٍ جديدة:
أحيانًا في كلمة نرددها دون أن نشعر، وأحيانًا في عادة صغيرة ورثناها منهم، وأحيانًا في ارتجافة قلبٍ تعود بلا سبب عند مرور ظلّ ذكراهم.
الغائبون لا يموتون كما نظن.
إنهم يتحوّلون:
إلى ملامحٍ تختبئ فينا، إلى أصواتٍ تردّدها ذاكرتنا، إلى جذورٍ خفية تشدّنا للحياة من حيث لا نرى.
حتى الطرق التي خطوها مرة، تظل تحتفظ بأثرهم، كأن الأرض نفسها أبت أن تنساهم.
وحين نفتقدهم، نحن لا نفتقد أجسادهم فقط، بل نفتقد ذواتنا كما كنّا معهم.
ذلك الجزء الذي سكن عندهم ولم يعد، ذلك الامتلاء الذي تفتّت برحيلهم.
فنظلّ نسير ونحن أنصاف، نصف يعيش على الأرض، ونصف يرفرف بعيدًا معهم في الأبدية.
لكن الغياب، على قسوته، ليس خاليًا من المعنى.
فهو الذي يعلّمنا أن الحب لا يُقاس ببقاء الأجساد، بل بقدرة الأرواح على الاستمرار.
وأن اللقاء لا يُختصر في مكان وزمان، بل قد يظل قائمًا في أعماقنا إلى أن يُكتب لنا لقاء آخر، في جهةٍ أخرى من هذا الوجود.
وهكذا أدركت أن الفقد، برغم وجعه، لم يكن عبثًا.
لقد صار جسرًا يجعلنا نحن وهم كيانًا واحدًا موزعًا:
روحًا تُثقل الأرض بخطواتها، وروحًا تُحلّق في الغيب،
وكلانا، نحن وهم، نظل في بحثٍ أبدي عن اكتمالٍ مؤجل،
عن لحظةٍ تجمع نصفينا من جديد…
لحظةٍ لا تنهي السؤال، بل تُجيب عليه بالدهشة.







































