قالت عيناها وقد التقتا بعينيَّ - بعد أن أطَلتُ النظر بشفقةٍ في هيئتها الرَّثة وملابسها البالية - هيَّا استقِ من سوءِ حالي كلماتِك، هيَّا اغنمْ برنينها كي يلمع نَجمُك في دُنيا الأدب، هيَّا قُل في حالي: الفقر ترياق جوع يُسَيِّلُ لُعابَهُ الألمُ، والفاقةُ مَحضُ بؤسٍ تتلمَّظُ بالفقيرِ الـمُعْدَمِ.
هيَّا انثرْ أوصافَكَ الحزينةَ فيَّ رثاءً، اضْرِبْ جبل حَوْجَتِي بمعولِ قصائدكَ ربما ينهار غُثاءً، هيَّا ابتعْ من فاقتي وقبح حوجتي صورك المرهفة الجَوْفاء.
دفنتْ عيناها في صَمتي الكلام، وشدَّ سُوء حالها حول قلبي اللجام، فكان لنحول ساقيها رشاقة تُخفي خلفها وحش جوعٍ، ولجسدها جفاف يُخفي خلفه بطنًا خاوية إلا من أمعائها وبضع ضلوعٍ، ولهيئتها الرَّثة وقطميرها البالي شيء يوحي في النفس مدى انحطاط الإنسانية ومدى تغلغل الظلم والخنوع.
راقبتها في صمتٍ مُتحاشيًا عينيها تخوفًا ووجَلًا، كانت نظراتها المتلهِّفة للطعام خلف نوافذ الفاترينات تَشْغلُهما عني أحيانًا، وكنت أختبئ منهما وَجِلًا، بينما كانت أرجلها الحافيتين تحتضن بتشققها حصى الرمل الناعم المتناثر على الطريق.
ساقتها رائحة الطعام إلى الاقتراب من عربة بائع فولٍ على أطراف الشارع، فكانت تلوك الرائحة بشفتيها وهي واقفة على مقربة منه اشتهاءً، وتلتهم بعينيها كسرة خبزٍ جافة متبقية من أحدهم قد جففتها الشمس، كما جفَّفت جسدها بلهيبها، فتلك الكسرة وذلك الفول هما جُل أملها، فالجوع حينما يحتدم لا يفرق بين الكسرة واللحم، ولا بين القشرة والشحم.
صرختْ فيَّ عيناها– رغم خجل الطفلة مني وخجلي لخجلها - حينما التقتا بعيني وأنا أسترق إليها النظر:
- أنتم - أيها الكُتَّاب - زائفون، كاذبون، تَستقون نبع الكلمات من ألمنا، ترتشفون رحيق الوصفِ من مرارة بأسنا، لا ترون أسَى الفقير إلا من مظهره، ولا تشعرون بحاجة بائس إلا من سؤله ومد يده، ولا تسمعون ألم متوجِّعٍ إلا من آهاته وتَنهُّده.
لستُ أدري كيف عرفتْ عيناها أنني كنتُ أبكي حال صاحبتها داخلي قصيدة، ويسيل بؤسها خيط دم من قلمي تعجز له حروفي التليدة، حتى شعرتْ بي، فوقفتُ صامتًا من أنفاسي، وجلًا من حركتي، خَجِلًا من تأديبهما لي.
أخذتني خطاي المرتجفة إليها رغم خوفي من عينيها، فاقتربتُ منها ثم وقفت أمامها باحترام، كطفل يؤدّبه والده، مددتُ إليها يدي برغيف دُسَّ فيه ما كانت تشتهيه، بعد أن ابتعته من عربة أحلامها، فأخذتْهُ بتلهفٍ كقطة ضالة يلوكها الطريق بقسوة، ثم مالت بغنيمتها جانب الطريق، وجلستْ جوار سور يعلوها بضِعْفِ قامتها، يحجب عنها صراخ الشمس، فذلك السور فقط هو أكثر مودة وحنانًا لها من كل ذلك العالم.
جلستْ القرفصاء تلتهم الرغيف بقوة كالتهام الجوع جسدها، فبدَت ساقاها النحيلتان الجافَّتانِ من خلف فستانها البالي، فوارتهما بيدٍ بينما الأخرى تُرضي شراهة فمها الجائع، ولسانها يلتقط بحرصٍ ما تبقَّى على شفتيها جرَّاء أكلها النَّهِم.
اقتربتْ منها قطة لا تختلف عن حالتها في شيء، تموء في ضعفٍ، تشهق فتنتفخ بطنها بعض الشيء، ثم تُزفر فتنم عن معدة فارغة من ارتسام ضلوعها على جلدها، تستجلبُ حنان مَنْ هي على شاكلتها أو ربما أقسَى، فلا يشعر بالجُرحِ إلا صاحبه أو صاحب جُرح مثله.
توقفتْ الطفلة عن الأكلِ لبرهة وهي تنظرُ للقطة، كانت ألطف توقعاتي أنها ستهشُّها بعيدًا برفقٍ ولين، لكنها بنفس راضية وببسمة حانية قَسَمَتْ بينهما قطعة الخبز التي في يدها، ثم أجلستها جانبها تأكل في أمان، بعد أن انقادت القطة لها في رضى كأنها أمها، فباتت تمسحُ على ظهرها بحنان يدها، وهي لا زالت تُربِّتُ بالأخرى على ظهر وحش جوعها وتسترضيه بما تبقى في رغيفها، بعد أن شاركتها القطة.
أخبرتني أن عطائي منذ قليل ليس بعطاء، وأن النُّفوس السخِيَّة لا تحتاج لغنًى كي تُكرِم.
جئتها برغيف آخر يُعوِّضُ لها ما منحته للقطة منذ قليل، ثم دنوتُ منها أمده إليها.
- تفضلي يا بُنَيَّتِي، أريدكِ أن تأكلِي حتى الشَّبَع.
أَبَتْ وهي تبتسم إليَّ في رضًى، وتهزُّ رأسها في لينٍ يمنة ويسرة، كأنها لا تريد أن تعتاد الشبع في أيامها الجَوعَى، كأنها لا تريد أن تخون الجوع ولو ساعة.
حاولتُ معها مرارًا لكنها كانت ترفض بابتسامة رقيقة في كل مرة، أو ربما يأبى الكبرياء الذي كان يغمر عينيها إلا أن يُسكِتُ فقط نواح أمعائها الجائعة.
قرَّبتُ الرغيف من القطة، فنظرتْ إليَّ بحذر بعد أن تراجعت خطوات للخلف وهي تمسح بلسانها بقايا غنيمة قرينتها التي علقت على شفتيها، ثم نأَتْ عن الرغيف وأدبرتْ بكل كبرياء وعيناها تتفحصني بحذر، ثم سارت تلوذ بصديقتها قربًا وتتمسَّحُ فيها ألفةً.
نظرتُ للطفلة، فوجدتُ عينيها قد سَرَحتْ في منظر طفلٍ يرتدي من الثوب ما يَهُشُّ عنها الجوع عُمرًا، يتوسط أبويه فرحًا، كانت تنظر للمشهد وهي تبتسم ببراءة. من كسرة خبز رَوَّضَتْ وحش جوعها، ومن فتات سعادة غَيْرِها روَّضَتْ بداخلها شهوة طفولتها، ومن بؤس حالها أشعلتْ فيّ نار ألم لا تُرَوَّض.
مددتُ إليها يدي، ربما تطفئ بيدها الحانية ناري داخلي، فكانت تبدو وهي في كفِّي كبقعة على قماش أبيضٍ من شدة اقترانها بلون الشارع الترابي.
نهضتْ معي طَوْعَ سَحْبِيَ اللين لِيَدِها، نهضتْ وهي تتلفَّتُ للقطة بحنوٍ وحبٍّ، بينما القطة كانت تودِّعُهَا بعينيها وداع خِلّ لخليلهِ، وصداقتهما وليدة كسرة خبر قُسمتْ بينهما منذ لُحَيظَات.
استعجلتْ دمعتي الحارة - الـمُحملة بملح ألمي والتي سالت من عيني واستقرَّت على شفتي – فيَّ الكلام:
- سلي ما تشائين.
قلتها بصوتٍ مبحوحٍ مخنوق بالبكاء وأنا أجلس على ركبتيَّ أمامها، مسحت بيدها بكل براءة عبراتي، وبدفء واحتواءٍ شعرته في روحي الباردة، فبكيتُ بشدة وانتحبتُ من حنانها على قلب مسكين كقلبي، فصارت تُربّتُ على كتفي وتُهدهدني بحنان كأنني طفلها أو وليدها أو قطتها.
تمالكتُ نفسي بعد أن أفضتُ بما داخلي من كتمان دمعٍ:
- أنا الآن طوع أمرك يا أميرتي الصغيرة، فلتطلبي ما تميلين إليه مهما يكن.
صمتتْ، ورأيتُ الحنو في عينيها جرَّاء بسمة أو ربما فرحة من نعتي إياها بالأميرة، فسَرَتْ في جسدي قشعريرة سعادة حينما رحمتني عيناها من سهامها القاتلة، ثم نظرتْ في خجل لأرجلها المتشققة، ففَهِمْتُ ما ترمي إليه، فأخذتها إلى أقرب متجر لتلبية طلبها.
كانت عيناها التي ظننتها قد رحمتني من توبيخها تستصرخ فيّ غضبى:
- أتظن أنَّك بذلك الفعل رحمتها؟ أنت لَبَّيْتَ أمر ضميرك فقط، أفتضمن لها دفئًا حين بردٍ، أم نسيمًا حين حَرٍّ، أو شبعًا حين جوع؟
تجاهلتُ تهكمها بكل ما أوتيت من تحمل، ثم سألت الطفلة وأنا أُخَيِّرُها بين حذاءين، وهي واقفة، في نفس طولي وأنا جالس على ركبتي:
- أذلكَ يروقكِ أم ذاكَ؟
صمتت، وجالت ببصرها حولها خجلًا، ثم نظرتْ إلى الحذاءين، ثم انتقلت بنظرها إليّ في خجل تريد النطق، الكلمات ثقيلة كثقل كاهلها ببؤسها.
نظرتْ للبائع الذي كان يرمقها بنظرات حادة، كأنه يعرفها. بادرني:
- مثل هؤلاء لا يستحقون تلك المعاملة يا أستاذ، فقد سرقني طفل مثلها ذات مرة وهرب بعدما حنوت عليه.
أغضبتني كلماته. رددت في شبه غضب:
- كان من المفترض أن تستنكر الفعل لا الفاعل، فالفعل رد طبيعي على حالاتهم تلك، فكان من الأفضل تقويم الخطأ ولو بحسن معاملة.
صمت، وصمتت الطفلة خجلا وخوفًا منه.
سألتُها مرة أخرى أن تختار فلم ترد، استنطقتُ فيها الكلمات فأبت ونَأَت عني، همَّتْ أن تتركني وتذهب وهي تنظر للبائع، فلم أسمح لها بالمضي، ثم قلتُ لها أمام بصوت مسموع:
- تلك هي ابنتي.
ثم احتضنتها مرة أخرى، فلمعت عينيها بسعادة دافئة، وابتسمتْ خجلًا وهي تنظر للبائع في سرور.
اخترت لها أحد الحذاءين، ثم ساعدتها كي ترتديه فأبت وهي تتنقل بنظرها بيني وبين البائع، فحاولت مرة أخرى فرفضت، سألتها لِـمَ؟ لم تنطق، وتعلقتْ عيناي بشفتيها الجافتين، وبعد طول انتظار نطقتْ بكلمات خافتة هامسة، واهنة كوهن جسدها، تختلط ببسمة راضية حانية، وعيناها لا زالتا معلقتان بالبائع خوفًا:
- لم أشِرْ إلى قدمي لهذا يا عماه، وإنما رجوتكَ استعجال المسير، فالأرض كانت ملتهبة.
ارتجفتْ أوصالي من جملتها، شعرتُ بلهيب الأرض يكوي قلبي، ولم يهدأ روعي إلا بعد احتضانها والبكاء بين عضديها.
تحاملتُ والدموع ترقرق في مقلتيّ:
- إذن هذا الحذاء هديتي إليكِ، وأرجوكِ لا تردِّي هَدِيَّتِي.
أجابت بالصمت، ثم باحتضاني بنظرة وَهَبتْ قلبي الحياة من جديد، فربما كانت دموع عيني التي أفاضت سبب عتقي من مقصلة تأنبيها.
ألبستُها الحذاء الذي اخترته لها على مضض منها، وحينما أمسكت إحدى أرجلها نظرتْ حولها في خجلٍ، ثم مالتْ تحاول ارتداء الحذاء بنفسها، لكنني أصررت على أن أكون لها أبًا ولو للحظات.
ألبستها إياه على فرحٍ منها بدا في عينيها، ثم احتضنتها كأب سعيد بابنته، فسارت به أمامي وهي تنظر إليه، حتى كادت أن تقع لولا أنني بادرتها بيدي وأسندتها، فضحكت لأول مرة منذ أن رأيتُها، وبعد ردح من السعادة بقربها ودعتني وذهبت إلى سبيلها سعيدة هائمة من فرحتها، بعد أن رفضت أن أمنح جسدها الشاحب ثوبًا جديدًا، وبعد أن أبَتْ أن تأخذ مني مالًا.
شعرتُ حينها بشيء يجذبني إليها، كأن ما بيننا علاقة أب بابنته، كأنني القطة التي أهدتها كسرتها منذ قليل.
ذهبتْ وفي عينيها حال غير التي أتت بها، كأنها قد تملكتْ الدنيا وما فيها، وبعد لحظات رأيتها من بعيد تمسك في يدها حذائها وتسير حافية.








































