أقول : بداية : أنا لاأوافق على هذه المقولة وفق ظاهرها ، أو وفق ما قد يُتبادر إلى الفهم عند إطلاقها ، وقد سبق وأن نوهت في أكثر من منشور إلى أننا حين نتعامل مع التراث الفقهي وفيما يختص بالآراء الاجتهادية الظنية منه تحديدا ، فإنما نتعامل مع منتج بشري اجتهادي ليس مقدسا ولامعصوما . وموقفنا منه إنما هو التقدير وليس التقديس .
وقد استندت في رأيي هذا إلى ما يدعمه من أقوال لمحققي الأصوليين والفقهاء ، ولعل اختلاف الصحابة فيما بينهم وبين بعضهم في كثير من الاجتهادات والآراء الفقهية ، يغني عن كثير مما يمكن قوله في هذه القضية .
يؤكد ذلك : أن المحققين من الأصوليين في هذا الخصوص نصوا على أمرين :
الأول : أن الفتوى مُعلمة ، وليست ملزمة، بمعنى أنه يحق للمستفتي أن لايعمل بها ، ويبحث عن مفت ثان وثالث حتى يطمئن قلبه ، وهكذا .
الثاني : أن جميع قطعيات الشريعة ،التي لاخلاف فيها يجب أن تخرج من مسمى الفقه ، وقد مثلوا لذلك ببعض الأمثلة ، منها : عدد الصلوات في اليوم والليلة ، وعدد ركعات كل صلاة من هذه الصلوات ، ونحو ذلك مما لايختلف عليه المسلمون سلفا وخلفا . .
قالوا : وإنما قلنا بوجوب أن تخرج هذه الأحكام القطعية عن مسمى الفقه ، لأن أحكامها ثابتة ، لاتحتاج إلى نظر واجتهاد ، وماكان كذلك فهو من الشريعة لا من الفقه ، ويأخذ صفة الإلزام ، ولما كانت آراء الفقه الاجتهادية الظنية غير ملزمة ، وجب أن تخرج كلها عن مسمى الفقه .
ثم استطردوا فقالوا : وماوجد من ذلك عند بعض الفقهاء ؛ فإنما كان ذلك منهم على سبيل المجاز لاالحقيقة ، لكون هذه الأحكام من الأحكام العملية ، وهذه في الأصل من اختصاص الفقه والفقهاء .
هذا عن التحقيق الأصولي في هذه القضية ، وهو بلاشك تحقيق في غاية الأهمية والدقة .
ولكنا في الوقت نفسه نجد هذه المقولة ( المفتي موقع عن رب العالمين ) مما شاع نقلها عن بعض الفقهاء المحققين ، واشتهرت عن ابن القيم تحديدا ، حيث تناقلها عنه كثير من المتأثرين به من الفقهاء وهم كُثر ، خاصة وقد اتخذها عنوانا لكتاب له مشهور ، أسماه ( إعلام الموقعين عن رب العالمين )" ويعني بهم أهل الفتوى والمشتغلين بالفقه بشكل عام .
ولكن يبدو أن ابن القيم رحمه الله ، لم يرد بعبارته هذه إضفاء نوع من القداسة على فقه الفقهاء واجتهاداتهم كما فُهم عنه ، بدليل ماعرف عنه من مخالفات لاجتهادات كثير من فقهاء المذاهب قبله ، ومنهم شيخه ابن تيمية رحمه الله، وهو كذلك من أبرز من عني بتحقيق قاعدة " الفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص " وقرر أن الجهل بها يفضي إلى الغلط في الشريعة ، ووقوع الناس في حرج ومشقة .
هذا مما يؤكد على أن ابن القيم رحمه الله ، حين اعتبر المفتي موقعا عن رب العالمين ، فإنما عني بذلك المعنى المجازي فقط .
بل أرى أنه لايجوز حمل عبارة ابن القيم ولاغيره على الحقيقة ، فالله تعالى لم يفوض أحدا من الناس للتبليغ عنه سوى الرسل والأنبياء ، وهذا من لوازم الإيمان في عقيدتنا .
" وماكان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه مايشاء إنه علي حكيم "الشورى ( ٥١)
ومن ثم كان من المقرر في شريعتنا : أنه لا سلطة كهنوتية في الإسلام كدين ، لا للمفتي ولالغيره ، وكيف ؟ وقد نعى القرآن الكريم على بعض الأمم قبلنا : خضوعهم الأثيم لهذا النوع من السلطة ، حتى أسلمهم ذلك إلى الوقوع في الشرك الصريح نفسه ، وذلك في قوله تعالى " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " التوبة (٣١)
لست إذن مع هذه المقوله ، ولاأرى فائدة من إشاعتها وأمثالها من العبارات المُلبسة ، والتي من الممكن أن تكرّس لاستبداد بغيض، عافانا الله تعالى من أن نتحمل شيئا من إصره ، فالتاريخ يشهد بأن أشد ألوان الاستبداد التي عانت منها الإنسانية وأكثرها شراسة : الاستبداد الديني ، وقانا الله شره . آمين








































