هكذا اعتاد أن يناديني ويدللني.. ذلك الدلال الذي نعمت به وعشته منذ صغري.. بين أسرة حرص أبي على جمع أركانها دائمًا بين أحضانه.. لن أقول عائلة فالعائلات قد تتباعد ولكن الأسر أبدا لا تتخللها الفجوات..
"أونكلي حبيبي"
هكذا اعتدت أن أناديه بينما أركض إليه بدلال وأرتمي بين أحضانه كلما تحدثنا أو تقابلنا..
"عمو حبيبي"
خلقت الهيبة لكي تحيط به.. ذلك الجميل ذو الفلج المميز.. والضحكة الرنانة.. والشخصية القوية..
ولأن الحاج أحمد "سي بابا".. "معندوش بنات تطلع برة البيت.. "الجنينة قدامكم على حد الشوف.. والبحر في وشكم.. يبقى تخرجوا ليه؟"
حتى المدرسة كانت تبعد دقائق عن بيتنا.. وكنت أقضي الإجازة تنحصر بين "جنينتنا والزرع ولعب الراكيت" وبين القراءة هوايتي المحببة إلى قلبي.. والتليفزيون الذي يعرض نفس الوتيرة من مسلسل الثامنة على القناة الأولى.. ومسلسل التاسعة الأجنبي على القناة الثانية.. وبعض البرامج الأخرى البسيطة..
لذا كان الاستثناء الوحيد هو أن يأذن لي أبي بالذهاب إلى "أونكلي".. الذي يبعد بيته عنا بضع دقائق.. أو بيت أختي بجوارنا أيضًا لبعض الوقت..
أذهب إليهم لنقضي أنا وابنه وابنته "أولاد عمي الحبيبين" ساعات جميلة.. وتشاركنا بها زوجة عمي كل ما نفعله.. سواء الحكي أو مشاهدة التليفزيون.. وكانت أجمل الأوقات حينما كنا "بنعكوا سوا في المطبخ ونعملوا كيكة أو بغاشة".. ولا أنسى أجمل كوب شيكولاتة ساخنة ذلك الذي كانت تعده زوجة عمي.. فأسألها عن سر جمال مذاقه فتخبرني بضحكتها "السر في النَفَس"..
من يعرفني يعلم جيدًا أنني لا أخاصم ولا أقاطع.. ولم تعرف الكراهية طريقها لقلبي ولن تعرفه -بأمر الله- أبدًا.. كذلك هم كل أفراد عائلتي.. مهما حاول الشقاق والخلاف أن ينثر رذاذه بينهم.. سرعان ما يغلبهم حنان قلبهم وطيب أصلهم كي ينفضوه عن ثيابهم وينهضون مرة أخرى متحابين متماسكين مترابطين..
"أونكل حبيبي"
ذلك البهي الأنيق الكريم.. السخي معنا بحبه لنا ومودته ومشاعره.. ما أن يبصرنا حتى يفتح أحضانه لنا مستقبلًا مستبشرًا.. يكاد أن يجود علينا بعينيه محبة وفرحًا بنا..
لا أنسى "بدله" البيضاء الزاهية وحذاءه الذي يماثل لون بدلته وقميصه الأنيقين.. وهو يمسكني من يدي مصطحبًا إياي إلى المدرسة.. يعلمني كيف أمشي بثبات وأن أحافظ على خطوتي واختيار المسارات النظيفة للسير بها.. لأحافظ على ملابسي وحذائي نظيفين.. وكيف كان مرتبطًا بي حتى أنه بعدما تزوج كان يأخذني لأقضي معه الوقت ببيته.. ويغدق علي ويشاركني هوايتي المحببة منذ الصغر "مشاهدة الأفلام الأجنبية" على جهاز الفيديو الخاص به.. يحضر لي شرائط الفيديو ونشاهدها معًا..
وحينما ظهر "الدش".. كنت أجلس معه على "الصوفا" المريحة للغاية بغرفة نومه بينما يشرح لي الفرق بين جهازي "النايل سات والعرب سات" وذلك الموتور المثبت عليهم الذي يتيح ضبط الإشارة أوتوماتيكيًا دون أن يتدخل أحد..
كنت أزوره ذلك اليوم حينما كنت في الصف الأول الثانوي ليرن الباب وأجد "بابا" يقف متجهمًا يخبرني بدرجاتي وكانت ضعيفة للغاية.. تركني أبي وانصرف.. ليعانقني "عمو" ولا أنسى أبدًا كلماته ذلك اليوم..
"ولا يهمك تتعوض في الترم التاني.. انتي شاطرة وكنتي الأولى في الإعدادية وأنا واثق أنك هتتفوقي في الترم التاني".. وهذا ما حدث بالفعل الحمد لله..
كنت أتعجب من الحج السريع "حج البيزنس أو رجال الأعمال" الذي ظل لسنوات يقوم بأدائه كل عام.. يذهب اليوم السابع أو الثامن من ذي الحجة ليعود ثاني أيام العيد.. ثم يقوم بذبح أضحيته..
اعتاد أن يحافظ على أناقته و "شياكته" دائمًا.. يبدل السيارات كما يبدل بين بدله وقمصانه.. يقوم بسواقتها سائق خاص بينما يجلس هو بالخلف.. متوجهين نحو مكان عمله في معرض "جروبسا"..
اختطف الموت عمتنا الغالية الحنون.. أم اخوتها وحبيبة الجميع وهي شابة ليست بالطاعنة في السن.. فكانت وفاتها صدمة للكبير قبل الصغير.. وكان يومها امتحان مادة ال pronunciation في الترم الأول من العام الأول لي بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية.. فمر علينا "أونكل" ليصطحب أبي للذهاب إلى العزاء.. فتعانقا عناقًا تخللته الكثير من الدموع والزفرات الحارقة.. وتخللته نظراتي إليهما بينما أبكي فقيدتنا الحبيبة معهم.. صاحبة القلب الأبيض والفطرة النقية والضحكة المميزة.. تلك التي اكتشفت أنها كانت تملأ الدنيا كلامًا عني وإشادة بي..
"منى بنت أحمد أخويا مفيش أحن من قلبها".. وإلى اليوم مازال الجميع يكررون نفس الجملة على لسانها..
لو طلبنا من "عمو" نجمة من السماء لاقتطفها وأتانا بها باسمًا.. وهو يخبرنا كم أننا بنات وأولاد أخيه أحب إليه من نفسه.. معطيًا لكل واحدة منا لقبها الخاص لديه.. محبةً ومشاكسةً لطيفة منه لنا كعهدنا به..
يأخذنا بسيارته "على سكته" إلى جامعتنا.. وحينما كانت خطبتي.. من غيره كان ليزفني بكل هذا الحب والفرح الحقيقي.. مطلقًا ضحكته المجلجلة بين أرجاء استوديو التصوير وهو يداعبني بينما يعتصرني الخجل:
"يا جمال القمر وهو لابس الفستان السكلاماه"
وما بين "السبعات والتمانيات" كان الطريق إلى المنزل حيث سيقام حفل الخطوبة.. وأنا أصرخ به خوفًا كي يتوقف ليضحك هو أكثر وأكثر..
ثم صحبته بينما يحضرون "عفشي" من معارض "الحاج مصطفى رومية" بدمياط.. ولم يمض بعدها سوى عام بالتمام والكمال حتى كان الفرح وكانت الزفة الذي تولاها من أولها وحتى آخرها.. وعيناه تلمعان كما يرقص قلبه بفرح..
"موووون الغالي حبيب أونكل"..
الجميع يعلمون كم أحبه.. وكم يحبني.. وحينما حدث بيني وبينه موقف أنزل بنفسي بعضًا من حزن.. لا أنسى ما قالته له زوجته "مينفعش منى بالذات تعمل معاها كدا.. أنت عارف هي بتحبك ازاي وإن من حقها أنها تزعل"..
تدور الأيام علينا جميعًا بدائرتها.. لأجدك فجأة ملقى يا حبيبي لا حول ولا قوة وقد أنهكك المرض وخارت قواك من وطأته.. وكلنا نجلس من حولك عاجزين إلا عن الدعاء لله والأمل به..
أجلس بجوارك صامتة.. ممسكة بيدك أحدثك ودموعي تسبق حروفي.. بينما يعتصر الألم والحزن والحسرة قلبي.. تنظر إلي وتحكي لي عني وأنت لا تدري أنني تلك الجالسة بجوارك..
"أخويا أحمد جاب منى بنته كلنا فرحانين بيها وهي حلوة أوي زي القمر وأنا مش بسيبها وباخدها معايا في كل حتة"
لتنهار آخر حصون ثباتي وأضغط على يديك بينما أقول لك بين دموعي..
"وأنت اللي زفيتها بنفسك يا حبيبي.. سلامتك يا حبة عيني"
أنت بقلبي يا "أونكلي الغالي"..
شفاك الله يا حبيبي ورد عليك عافيتك وأسعدنا جميعًا بفرحة عودتك لبيتك سالمًا ان شاء الله..
أسألكم الدعاء لكل مريض بتمام الصحة ودوام العافية..
اللهم رب الناس أذهب البأس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا..








































