في عيد ميلاد د. عبد المنعم تليمة
بالغ السعادة ذِكر تفاصيلك..
اعتدتُ منذ ذلك اليوم الذي أخذني فيه أبي من يدي وقال لي: "سنذهب لزيارة عمٍّ لكِ لا أُصدّق أحدًا في العالم غيره"، لأن أتأمل تفاصيله وأُصدّقه كما يفعل أبي. سواء في زياراتي له في بيته بشارع الطوبجي، أو في الكلية داخل مكتبه الأنيق، أو في صالونه الذي منحني رؤية من أدهشوني في سنٍّ مبكر، ما زلتُ، رغم رحيل الدكتور عبد المنعم تليمة، أتأمل تلك التفاصيل وأذكرها بمحبة لا يشوبها تكلف، وامتنان للحظة جمعتني به، فأخاطبه هنا لأول مرة دون ذلك الحذر المغلف بالتقدير.
وقفتُ داخل منزلك يوم الرحيل أتأمل كل تلك التماثيل التي ألفيتها تراقبك في هدوء كلما ذهبتُ إليك، حاملة أفكارك عن الحياة، والحب، والجمال. السيدة اليابانية الأنيقة القادمة من بلاد التفوّق ما زالت واقفة كما هي، تتساءل: ما كل هؤلاء الجالسين في فزع؟ وأين صديقي الذي أدمنتُ سماعه عن طيب خاطر يوميًا بقربي، وهو جالس على كرسيٍّ متهالك يفضّله بجوار الهاتف الأرضي؟
هذا الزحام من الكتب والأطروحات العلمية، وزجاج المائدة الذي يراود أفكارك ليل نهار، ولمسه كل من مرّ بك وجالسك، جميعهم استمعوا إلى حكاياتك الممزوجة بحكمة الأيام ورحمة الحروف، المنصفة لرجل أخلص في منح تلك الحروف الحياة والخلود على صفحات كثيرة.
حماسك وإنصاتك النبيل لمن يحكي، واعتيادك الذهاب بعينيك بعيدًا عن المتحدث تاركًا له حرية ترتيب ما يرويه، واضعًا يديك على فمك في حركة لا يعتادها إلا المؤمن بغيره، وإن كان كبيرًا في نوادره. علب سجائرك المستسلمة بجوار هاتفك المحمول، والقاعدة الرخامية التي حين لمستُها وجدتها تجيد التمسك بالمائدة، وتحمل آخر رسائلك لي: "بالغ السعادة تأتي مع صديق أو اثنين".
عمي العزيز، الذي ما زالت طاقاته التي فتحها لي على العالم تدهشني بمنتهى الإخلاص، اعتدتُ حديثك معي عن مفاهيمي الساذجة، غير مصدّقة حماسك لكلماتي، لتضيف لي ما يأخذني لعوالم بعيدة، بحكاياتك عن سهير القلماوي التي أنصفتك في درجات تستحقها، وعن طه حسين، ولطيفة الزيات، ومواقف المحبة والعلم والإيمان بشاب رأوا فيه أملاً للغةٍ عريقة.
أعجبتني كل رهاناتك السابقة، وأعتقد أن جميعها كانت رابحة. تعلّمتُ منك الإصرار على ما أريد، حين أخبرتني يومًا ما، وقت رفض أبي لسفر مفاجئ لي، بأن عليَّ الدفاع عن اختياري، وأن دورك هو الوقوف خلفي بقوة، وقد كان بابًا جديدًا على الدنيا لن أنساه.
لم أروِ لك حكايات والدي عنك، ولم أجرؤ يومًا أن أسردها، خاصة زياراتك لدار الكتب أثناء دراستك بكلية الآداب، وجلوسك لساعات متأخرة من أجل تسجيل كل ما يفيدك في مشوارك الطويل للحلم؛ لأنه، وقتها، كان يصعب عليك وعلى كل من انتمى لطبقتك المتوسطة شراء كل تلك المراجع. تلك الحكايات المليئة بالشغف، التي رواها لي والدي وكل من مرّ بعائلتك الكبيرة، حين بحثوا عنك في الأقسام والمعتقلات عام 1977، وحتى وجودك في قفص الاتهام في قضية لفّقها نظام كره وقتها كل من يفكر.
حكايات عمّاتي الفلاحات عن الرجل الذي يجلس فوق "شواشي النخل"، في إشارة لقيمتك داخل عقولهن البسيطة، داخل مجتمع ريفي أحبك وراهن عليك ولم تخذله. حتى آخر لحظة أنصفته ومنحته اهتمامًا ومحبة. فخرك بأبيك وجدّك وأقاربك، جميعها حكايات جعلتنا نتصارع جميعًا على حبك دون وعي، منذ نعومة أظافرنا.
يوم جديد لميلادك هنا وأنت في عالمك الجديد، أعتقد أنك أسعد بداخله، وأقرب إلى مفاهيمك النبيلة، واضعًا أمامك هناك تمارينك في التأمل، ونصائحك لنا بممارستها.
سأعلّم ابنتي أن أمّها مرّ بحياتها عمٌّ أقرب إلى الأب والحبيب، عاش ثمانين عامًا في حياة بلادها، كانوا ثمانين حُبًّا، بداخل كل من يعلم قيمته، وكان قلمه ينبض دائمًا بالحق والعدل والجمال .
سلامًا على روحك، سلامًا مؤمنًا بالحروف التي أفنيت حياتك محبًّا لها






































