ظلت نور تمكث في حزنها وصمتها أياما وشهورا طويلة دون انتهاء، تقوقعت على روحها و لم تعرف للزاد طريقا ولا للحياة سبيلا، حتى تبدلت وكأنها دمية
جامدة لا روح فيها، فقدت كل مظاهر الجمال وكأنما صبت أنهار العالم في نهر
عينيها وقلبها، ورغم هذا كله كانت تأتي عملها صامتة وتغدو صامتة وكأن العالم اختفت منه الكلمات والأحرف، كانت مصيبتها عظمى لكنها رغم ذلك كعادتها معطاءة ظلت بجوار والدتها تمنحها الحب ولم تتركها لحظة واحدة، هدهدت
قلبها وطمأنت روحها رغم أن والدتها كانت أكثر ثباتا منها، حاولت هي الأخرىأن تعوضها فقدان أبيها الضاري، فقد كانت تعلم مدى تعلقها بأبيها وكيف كانت الصدمة شديدة في مهدها على قلبها، أما هذا الإبن الطائش لم يأبه قط لفقدان
والده، ولم يتأثر كثيرا بتلك الفاجعة وكأن قلبه خُلِقَ من حجر صوان، تبا للحياة وجهان لعملة واحدة مختلفان اختلاف السماء عن الأرض، وكأنه قد اغتر بتلك الثروة الكبيرة التي تركها والده لهم، فلم يتحرك له ساكن ولم يبك إلا بعض
دمعات تخلو من الحزن على موت عمود البيت، استمرت نور في ظلمات يأسها وكآبتها فترة ليست بالقصيرة، توقعت خلالها أن تجد محمود بجانبها يواسي أناتها أو يحاول أن يخرجها من حالتها لكن هيهات لتوقعها، فما حدث كان مغايرا تماما فقد سئم حزنها وكدره حالها، وما كان منه إلا أن استل سيف لسانه وأصبح يقذفها بكل الكلمات السيئة ذهابا وإيابا دون توقف، متعللا بأنها إنسانة مريضة بهوس حبها لوالدها، وكانت في هذا الموقف السخيف تبتسم ابتسامة سخرية، فكيف يفعل معها القدر كل هذا وهي الرقيقة التي لا تتحمل !، لم يستوعب عقلها
كل ذلك فكيف لرفيق حياتها ألا يشعر بها وكيف له أن يكون بتلك القسوة
والفظاظة في تصرفاته معها !، وباغتتها التساؤلات الجمة، كيف ستحيا معه وهو
لا يشعر بها؟ !، ظلت تحاول مرارا أن تتقبله كما هو بعيوبه وأن تحافظ على
بيتها کما أوصاها والدها رحمة الله عليه ورضوانه ولكن حدث مالم تكن تتوقعه والذي آل بها لمزيد من الأسى والأحزان








































