انقبض قلب نور فجأة، فلم تعتد أن يتصل بها والداها في العمل إلا لو كان هناك أمر طارئ، تناولَت هاتفها فورا واتصلَت بوالدتها فجاء صوتها باكيا متحشرجا
وكأن به ألم كبير، سألتها نور: ما بك يا أمي؟. أجابتها: أبوك يانور سقط في ذبحة
صدرية جديدة، الطبيب عنده الآن .، انهمرت دمعات نور ولم تستطع المقاومة،
باتت وكأنها تغرق في بحر لجي ماله من قرار، لم تكن تعي ماذا يجري فقد انتابتها صدمة الموقف و كادت توقف نبضاتها حاولت أن تتماسك قليلا لكنها لم تستطع، فلماذا رعبها هذه المرة وقد اعتادت أن تخور قوى قلبه العليل ويدخل على إثر ذلك إلى المستشفى !، حاولت سلمى أن تهدئها قليلا ولكن دون فائدة،
كانت الأفكار تتزاحم بمخيلتها والوساوس اللعينة تجتاح تفكيرها، كانت تتمتم:
يارب، يارب. رددتها كثيرا دون توقف، لحظات فاصلة في دروب الحياة، لا
نملك شيئا حينها سوى أن ندعو الله أن تمر بسلام، انطلقت نور في طريقها دونأن تلتفت لأحد، لم يكن لديها أي فرصة للتريث أو القدرة على الرد، فقط كانت
تقود سيارتها بسرعة جنونية ودموعها تتسابق مع تسارع نبضاتها ألما، وصلت إلى بيت والدها، فإذا بأبيها بين الموت والحياة يصارع الأنفاس ينتظر مجيء
حبيبته، ترجته ألا يتكلم وأن يستريح لكنه لم يترك لها الفرصة، فقد أراد الحديث معها كثيرا قبل أن يهزمه ملك الموت، فأتت كلماته الأخيرة متحشرجة يتخللها
صمت مميت، ابتلع ريقه طويلا بصعوبة بالغة ثم أوصاها أن ترضي ربها أولا وأخيرا وأن تستمر في مساعدة الناس وأن تعتني بحالها وتسقط الحزن من
أيامها وتحاول إسعاد روحها قدر المستطاع، ظلت تبكي بجواره وهي ترجوه ألا يفارقها ويتركها فليس لها غيره .، ظلت هكذا متشبثة بيده، وهنا شاءت الأقدار ما
لم تستطع عليه نور، شاءت الأقدار بفجيعة الموت العظمى، تلبدت الغيوم بالسماء، واكفهر وجه النهار غاضبا وتلعثمت الآهات، واضطربت الأوصال ،
وجاء ملك الموت واستل روحه المؤمنة بكل هدوء، فرجعت الروح المطمئنة إلى ربها راضية مرضية، وها هو حبيب الروح قد رحل وأخذ في رحيله نبض
وحياة، وحل محلهما تمتمات برد وموت، تجمدت ملامح رجل الحياة بقلب نور و لم يعد فيها سوى ذكريات تشق النفس ألما، حقا ويلتى من رحيل الأب، ما
أقساها من لحظات اهتز فيها عرش الحب !، وتزلزل فيها صولجان المشاعر،
وتهدمت صوامع أجمل علاقة وثيقة، بين أب حنون قلبه قدَُّ من مشاعر خالصة لابنته روح خافقه، فصارع الموت من أجلها، لم يكن يريد أن يفلتها، ويتركها دونه وحيدة خائفة تتلقفها يد الفقد وتقسو عليها نوائب الدهر، مرت لحظات ثقال
أثقل من جبال رواسخ وأبطأ من سير سلحفاة في طريق مجهول ليس له انتهاء،
رددت نور وهي باكية: ليتني دونك أبي يا نطفة روحي، ليتني ماكنت أحيا فقدك
حبيب الوتين، أهكذا مضيت دوني، هل أغضبتك حتى تلوذ فرارا مني وتفلت
يدك من قبضتي؟ !، هل يجوز للشمس أن تأفل أبدا، وهل يجوز للقمر أن يخسف
دون رجوع، أيا شمسي وقمري، هلم إليَّ فلم تعد الحياة دونك حياة .، لكن لا
جدوى من مناجاة عند حضور الموت، فقد خيم ظلام الصمت اللعين وأفلت
الروح والأكوان ولم يعد للحياة نبض أو روح، مضت اللحظات كبركان ظل خامدا طويلا حتى انفجر باكيا لتلك النهاية لقلبِ نقية روحٍّ جاهدت في الحياة
عمرا مستحيلا، فكيف سيجف نهر ألمها، ومن سيكفكف دمعاتها، ومن سيمسد
بلطف على روحها، أواه يا وجعها، مالك لا تترك لها السبل لتحيا قليلا دون ألم ،ودون بعثرة نفس، كيف تغزوها مرارا هكذا وكأنك شيطان أخرق لا يأبه لأنينها المسترسل، وانطفاء شمعة الحياة التي كانت تنير ظلماتها فترسل بشعاعها ليقويها على خذلان الأيام لها، شيعت نور جثمان أبيها ومعه شيعت روحها وحبيبها وقرة عينه ا







































