بعد فترة من الزمن.
مازن ووالدته بشقة شذى، حيث تواجدت والدتها وبحضور روان شقيقة شذى الصغرى، وسمر ابنة خالة مازن، وبعد انتهاء فترة العدة الشرعية وباحتفال بسيط اقتصر على الأسرتين وأصدقاء مازن بالصيدلية، تم عقد قران مازن وشذى، وما إن انتهى عقد القران حتى اصطحب مازن الجميع بسيارته إلى ذلك الفندق الشهير للسهر والاحتفال، ومن ثم قضاء ثلاثة ليالٍ هو وشذى كاختصار لشهر العسل، ليتابعا بعد ذلك إجراءات السفر إلى الخارج من أجل عملية زرع الخلايا الجذعية لشذى.
كانت ليلة رائعة وسهرة لا تُنسى، رغم تباين المشاعر والانفعالات. جاهدت سمر كثيرًا لتخفي ما يعتمل بداخلها، رغم أنها بذلت جهدًا كبيرًا لرسم تلك الابتسامات على شفتيها وتوزيعها على الحاضرين كلما حانت منهم أي التفاتة نحوها.
كانت سمر، ورغم تمنياتها لمازن وشذى بالسعادة وقناعتها التامة أنهما ليسا مسؤولين عما تعانيه، إلا أنها تخيلت، ولو للحظات، أنها هي من تجلس بجوار مازن.
ما إن انتصف الليل حتى غادر الجميع، تسبقهم دعواتهم متمنين لمازن وشذى السعادة والفرح.
مرت الأيام الثلاثة كلمح البصر.
كانت السعادة هي العنوان الأبرز، لم يتوانَ مازن عن فعل المستحيل ليعوض شذى غياب والدها وزواجها بهذه الطريقة التي فرضتها عليهم ظروفها الصحية، كما أنه اجتهد كثيرًا ليقدم لها كل الدعم والمساندة، لرفع روحها المعنوية حتى تكون قادرة على مواجهة هذا العدو الشرس.
كذلك حاولت شذى قدر جهدها أن تسعد مازن، وهي تحاول أن تكون كأي إنسانة طبيعية في بداية حياتها الزوجية، فلم تشعره ولو للحظة واحدة أنها عاجزة عن فعل أي شيء لإسعاده.
كانت الاتصالات لا تنقطع بينهما وبين الأهل، يطمئنون منهما وعليهما، وبآخر مكالمة بين مازن ووالدة شذى أخبرها أنه استخرج جواز سفر لشذى، وأنه سيضيفها إلى جواز سفره بصفتها زوجته؛ ليقوم بإنهاء إجراءات السفر إلى لندن، بعد أن تم إرسال ملفها الطبي وكل الأوراق الخاصة بحالتها المرضية، وأتت الموافقة من المستشفى لاستعدادهم لإجراء تلك العملية المهمة والخطيرة.
ما إن انتهت الأيام الثلاثة، التي مرت عليهما كلمح البصر، حتى أنهى مازن إجراءات مغادرة الفندق؛ ليستقل سيارته بصحبة شذى للعودة إلى البيت، وما إن عادا حتى صعدا كلاهما إلى شقة مازن أولًا لتغيير ملابسهما، من ثم النزول للاطمئنان على والدة شذى وأختها خاصة، مع اشتياق شذى الشديد لهما. وما إن وصلا ودلفا إلى الداخل حتى تفاجآ بأن الأضواء مظلمة، ولا يصدر من الشقة أي صوت أو ضجيج ينم عن وجود أحد بالداخل.
وما إن تجول مازن ببصره في المكان حتى وجد ورقة تركتها والدته تخبره فيها أنها بالأعلى، حيث إنها تقيم مع سمر مؤقتًا لحين عودته.
اتصل مازن بوالدته هاتفيًا ليخبرها بقدومه واشتياقه الشديد لها، وما هي إلا دقائق حتى سمع طرقات على الباب توقع أنها والدته، وما إن فتح الباب حتى وجد والدته بصحبة سمر، لتحتضنه بقوة وهي تربت على كتفه بحنو وحب كبير، بينما ألقت سمر عليه التحية مرحبة بقدومهما في وجوم.
خرجت شذى من غرفتها وهي تبتسم بود، ومن ثم تحتضن والدة مازن وتقبلها، كذلك قامت بتحية سمر وتقبيلها، لتقول سمر بتساؤل مريب:
هل مررتما بالأسفل قبل قدومكما إلى هنا؟
شذى وهي تبتسم:
سنهبط إليهما الآن، فكم أشعر بالاشتياق إلى أمي وروان.
لم تكد شذى تنتهي من عبارتها حتى شعر مازن بنظرات مريبة متبادلة بين سمر ووالدته، نظرات لم يرتح لها أبدًا، حتى إنه توجس خيفة وشعر أن هناك ما يريب أو ما يخفيانه عنهما، ولكنه لم يفصح عن ذلك خوفًا من أن يكون هناك شيء قد يسبب الحزن والأذى لشذى، فآثر الصمت حتى تتضح الأمور.
كانت شذى تتحرق شوقًا إلى ملاقاة أمها وأختها، ولكنها لم تطلب ذلك بلسانها حتى قام مازن بالاستئذان من والدته للنزول مع شذى للاطمئنان على والدتها وشقيقتها.
هنا تلعثمت والدته وهي تتبادل النظرات مع سمر، لتقول بتردد:
لا داعي لنزولك أنت يا مازن. دع شذى تنزل ولتبقَ أنت معي، فأنا لم أشبع منك بعد، كما أنني أريدك بأمر مهم.
هنا أدرك مازن أن شكوكه حقيقية وبمحلها، وأن هناك أمرًا ما يخفيانه عنه، ولا يريدان التحدث عنه أمام زوجته. هنا شعرت شذى بالخجل والحرج، لتستأذنهم بالنزول.
وما إن غادرت شذى حتى تحدث مازن بضيق وغضب، وهو يقول بصوت مرتبك:
حقًا لا أفهم يا أمي سر هذه النظرات وما يحدث هنا. هل ستخبرني إحداكما بما يحدث أم ستتركاني ألحق بشذى لأطيب خاطرها؟
وقبل أن تجيباه أو تفسرا له ما حدث، وبالطابق الأرضي حيث تقطن والدة شذى وأختها، كانت شذى تسابق الريح وحزنها مما حدث بالأعلى، وما إن فتحت روان الباب حتى احتضنتها شذى بشدة وهي تقبلها بنهم في عناق طويل، لتأتي والدتها على صوتهما، ومن ثم تحتضنها باشتياق ولهفة.
ولكن، وقبل أن تتحدث أي منهن بكلمة واحدة، سمعت شذى صوت سعالٍ يأتي من غرفة والدتها، صوت لم تخطئه أذنها أبدًا، فهو صوت محبب إلى قلبها وروحها، لتشير بيدها نحو الغرفة وهي تقول وسط دموعها وبصوت مرتعش:
أخبريني يا أمي أنني لا أتخيل ذلك، أخبريني أنني سمعت ذلك الصوت حقًا، أخبريني أنه أبي.
قبل أن تتفوه أمها ببنت شفة، كان والدها يخرج من الغرفة وهو يضع منشفة فوق رأسه.
للحظات تسمرت شذى بمكانها غير مصدقة ما تراه بعينيها، ثم وبحركة عفوية ومفاجئة قفزت بفرحة عارمة لتقطع كل المسافة بينهما في قفزة واحدة، لتلقي بجسدها النحيل بين ذراعيه المفتوحتين في لهفة وشوق بلا حدود، ليلتقطها أبوها في حب وهو يضمها إليه برفق وحنو.
غاب الاثنان سويًا في عناق طويل، ودت شذى لو أنه يطول فلا ينتهي أبدًا. ولمَ لا، وها هو حصنها الأول والأخير، ومبعث فخرها ومنبع أمنها وأمانها، قد أتى وبخير.
بللت دموعها ملابسه، وهي تشم رائحته وكأنها تشم من خلاله رائحة الوطن المعبقة بالياسمين.
حمدت شذى ربها شاكرة فضله عليها ورحمته بها أن جعلها تعيش هذه اللحظات السعيدة مرة أخرى بعد أن التأم شمل أسرتها.
جلس الجميع، بينما كانت شذى تحتضن والدها بعينيها، وبنفس الوقت تحاول جاهدة إيجاد مبرر واختلاق الأعذار لعدم وجود مازن معها، وتحاول حث والدها للحديث عن كيفية خروجه من الأسر وكيفية حضوره إلى مصر بأمان.
ولكن، وقبل أن تتزايد أسئلتها، أشار لها والدها بحب أن تصمت قائلًا:
مهلًا حبيبتي، مهلًا يا شام، فهناك أمر جد خطير يجب أن نناقشه سويًا الآن وقبل كل شيء.
ما إن نطق والدها وقال يا شام، حتى دمعت عينا شذى، وهي تقول:
يا الله، لو تدرك يا أبي كم اشتقت حقًا أن تناديني بهذا الاسم. فمنذ أتينا إلى هنا لم أسمع هذا الاسم أبدًا. ولكن كيف سأسمعه ولا أحد يناديني به سواك؟ نعم يا أبي، اشتقت إلى اسمي ولقبي شام، واشتقت إلى حلب الشهباء ودمشق الفيحاء، بل اشتقت لربوع الشام كلها.
نظرت بطرف عينيها نحو والدتها وكأنها تخشى أن تستدير فتعود ولا تجد اسم شذى، بينما صمم أبي أن يكون اسمي شام. ثم قالت لوالدتها وهي تراضيها:
هل تتذكرين يا أمي كيف اخترتِ لي أنتِ اسم شذى، ولكنه أبدًا لم يناديني به، بل لا يناديني إلا شام؟
توجهت نحو أبيها وهي تقول بحب:
بعودتك يا أبي عاد لي لقبي، وعادت روحي إلى جسدي، بل وعاد النبض إلى قلبي.
قال والدها وهو ينظر إليها بحب وشفقة:
ولكنني لم أعد وحدي يا شام.
قال ذلك وهو ينظر نحوها بشيء من القلق والاضطراب، مما جعلها تتجول ببصرها بينهما، عساها تجد من يوضح لها ما قصده أبوها بقوله إنه لم يأت وحده.
يتبع








































