وقف قبالته يتأمله مليًّا، ثم نظر إليه متسائلًا في ذهول: كيف أصبحتَ ما أنت عليه الآن؟
بلا مبالاة، رفع رأسه في ضعفٍ وانكسار، بعد أن فشلت كل محاولاته للتظاهر بالثبات والقوة، وهو يقول ساخرًا:
ماذا تقصد؟
ليجيبه بضيق: كيف أصبحت هكذا بلا هدف؟ إنسانًا كئيبًا وغير مبالٍ، شخصًا ضعيفًا ومهزومًا، بعد أن كنت مقاتلًا صلبًا لا يهاب الحياة؟
هل يُعقل أن تتحول إلى مسخٍ مشوَّه؟
خفض رأسه مرةً ثانية وهو يقول بحزن بدا جليًّا في نبرات صوته:
عندما تتهاوى كل الجدران من حولك، فلا تجد ما تستند عليه، بلا شك ستقع، دون أن تجد أو تنتظر تلك الأيدي التي كانت تعينك على النهوض من عثراتك كلما تهاويت.
أردف يقول بألم: كنتُ كغيري، لديّ دروعٌ تقيني سهام الحياة، وتصدّ عني طعنات الأعداء. دروع خفية لا ترونها، ولا حتى أنا أراها، ولكنني أستشعرها، فتمدّني بالقوة والطاقة للمضي قدمًا دون رهبة أو خوف.
نظر إليه في حيرة: أيُّ دروع هذه؟ وأين ذهبت؟
أجابه بأسى: بحياة كلٍّ منا جُدُرٌ ليست سوى دروعٍ ربانية، عندما نفقدها نفقد الكثير من النِّعم التي لا ندركها، وبفقدها تحدث كسورٌ من الصعب جبرها.
بل هي شروخ تؤدي إلى التآكل من الداخل، يصاحبها نزيف داخلي لا يتوقف، ومن ثم، وبنهاية الأمر، يحدث الانهيار كزلزالٍ أو إعصار، لا يُبقي ولا يذر.
نظر نحو انعكاس صورته بالمرآة، هاله ما يرى، فلم يكن هو الشخص نفسه الذي اعتاد أن يراه. عندها فقط فهم الحقيقة القاسية؛ فقد أدرك أن بعض من احتمينا بهم لم يكونوا دروعًا، بل جدرانًا واهية تستند إلى ضعفنا، وحين اشتدت العاصفة كانوا أول من تصدّع، وأول من تخلّى. فكان النزيف أعمق، لا لأن السقوط موجع، بل لأن الطعنة جاءت من حيث كنا نؤمّن قلوبنا، لا ظهورنا.
وما إن همَّ بالرحيل حتى لمح خيطًا طويلًا وحارقًا من الدموع ينساب على وجنتيه في مسارٍ متعرج، ليتهاوى أرضًا بعد أن أدرك أنه لم يفقد فقط آخر دروعه الواقية، بل فقد أصدق وأوفى وآخر حليفٍ له في الحياة…








































