لا تعذلِ المشتاقَ في أشواقِهِ
حتى يكونَ حشاكَ في أحشائِهِ
إنّ القتيلَ مضرجًا بدموعِهِ
مثلُ القتيلِ مضرجًا بدمائه
هذه الأبيات من قول أبي الطيب المتنبي، شاعر العربية الأكبر، الذي لم يكن فقط فارس المعاني وهازم الخصوم بالكلمات، بل كان أيضًا رجلًا يعرف كيف ينزف الشعر من قلبه إذا اشتد عليه الحنين.
هو القائل بفخره: "أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي"، لكنه هنا يتخلّى عن سيفه ليكتب بلغة القلب، لا بلغة الانتصار.
لا تعذلوه...
ذاك الذي يلبس صمتًا أثقل من الكلام،
ويحمل في داخله مدنًا سقطت ولم ترفع راية.
لا تلوموه إن وقف على أطلال الحنين طويلًا،
إن تحدث مع طيفٍ لا يُجيب،
أو مسح غبار الأيام عن ذاكرةٍ تصرّ على النبض.
الشوق ليس غيابًا فقط…
إنه حضور مؤلم،
أن ترى الأشياء من غيرها…
أن تسير في الطرقات ولا ترى إلا أثر من تحب،
أن تضحك والدمعة تختبئ في زاوية الروح.
ذاك الذي تتحدثون عنه،
لم يمت، لكنه ذُبح ألف مرة على مذبح الانتظار.
ذُبح بنبأٍ لم يصله، برسالة لم تُرسل، بنداء لم يُسمع.
هو لا يحتاج شفقتكم، ولا عبارات المواساة العابرة،
هو فقط يريد أن يفهمه أحد.
أن تقول له: أعلم ما تشعر به،
أعلم كيف يُصبح الهواء ثقيلًا،
وكيف يضيق الوقت وإن امتد،
وكيف يبدو العالم واسعًا… إلا قلبك.
أولئك المشتاقون في صمت،
الذين تفيض أعينهم حين ينام الجميع،
الذين يخبئون وجعهم خلف الأقنعة،
هم أشجعنا، وأصدقنا، وأكثرنا حياةً رغم الغياب.
فرفقًا بهم…
فقد نزفوا من الروح ما لم تنزفه السيوف من الجسد.
وقد ماتوا مرارًا، دون أن يلفّهم كفن،
ودون أن يقول عنهم أحد: كانوا هنا…








































