استيقظ المعلّم قبل الفجر بقليل، لا لأن المنبّه رنّ، بل لأن الهمّ سبقه. جلس على طرف السرير، عدّ ما في جيبه من نقود، فوجدها أقل من القسط الذي ينتظره تاجر الأدوات الكهربائية في آخر الشارع. قال لنفسه:
_سأمرّ عليه اليوم… لعلّه يصبر أسبوعًا آخر.
خرج المعلّم إلى الشارع، وكل خطوة كانت تحمل ثقل القسط المؤجَّل. دخل دكان التاجر، فوجده شاردًا، لا يشبه أبدًا صورة الرجل الغاضب التي رسمها في خياله. بادره المعلّم بالاعتذار، لكن التاجر رفع يده في فتور وقال:
_لا عليك… أنا أيضًا عندي ما يشغلني.
كان التاجر منذ ليلة الأمس يحاول جمع مبلغ عملية جراحية عاجلة لابنته. قلب دفاتره، باع بعض البضائع بالخسارة، واستدان من جارٍ لم يكن يملك إلا القليل. القسط الذي ينتظره من المعلّم صار تفصيلًا صغيرًا أمام صورة ابنته على سرير المستشفى. قال في سرّه:
_لو أعطاها الله العافية، لنسيت الدنيا كلها.
ذهب التاجر إلى الطبيب، يناوله التقارير ويسأله بعينين مرتعشتين عن موعد العملية. كان الطبيب مطمئن الصوت، لكن قلبه لم يكن كذلك. فبينما يشرح تفاصيل الجراحة، كان يفكّر في الإيجار المتأخّر للعيادة، وفي صاحب العقار الذي هدّد بالإغلاق إن لم يُدفع المبلغ قبل نهاية الأسبوع.
انتهى التاجر، وبقي الطبيب وحده في العيادة، يعدّ المرضى الذين لم يدفعوا الكشف، والفواتير المتراكمة. أمسك الهاتف واتصل بصاحب العقار، يرجوه التأجيل أيامًا قليلة. أغلق الهاتف وهو يعلم أن التأجيل لن يحلّ شيئًا، فالإيجار لا يعرف الرحمة.
خرج الطبيب من عيادته متجهًا إلى منزل صاحب العقار، فوجد الرجل جالسًا أمام دكان صغير، عابس الوجه. لم يكن غضبه من الطبيب وحده، بل من ابنه الذي يحتاج إلى دروس خاصة ليستطيع اجتياز الامتحان هذا العام. قال في نفسه:
_كل هذا الإيجار… ولا يكفي تعليم الولد.
في المساء، كان الابن جالسًا في غرفة ضيقة، ينتظر المعلّم الخصوصي الذي تأخّر عن الموعد. الأم تنظر إلى الساعة بقلق، والأب يذرع المكان صامتًا. دخل المعلّم أخيرًا، المعلّم الذي بدأ يومه مهمومًا بقسط لم يُدفع.
جلس يشرح الدرس، وصوته متعب، لكنه واضح. كان الأب يراقبه ويفكّر في الأجر الذي سيعطيه آخر الحصة، والمعلّم يشرح وهو يفكّر في التاجر، والتاجر يفكّر في ابنته، والطبيب يفكّر في إيجار العيادة.
و كانت الدائرة مغلقة..








































