كانت ليلى تسمع دائما إن الله يزرع في قلب الإنسان سرا لا يراه أحد سر القوة
ولم تفهم سرها الحقيقي إلا يوم سقط والدها مريضا ولحقت به أمها بعدها بأيام
من تلك اللحظة بدأت رحلتها التي لم تخطها الكلمات بل نسجتها هي بيديها
وجعلت روحها تعزف لحنا منفردا من العطاء لا يسمعه إلا من عرف معنى التضحية
كانت تستيقظ قبل الفجر تعطى الدواء لأبيها
وتجلس إلى جوار أمها تربت على يدها المرتجفة كأنها تقول لها دون كلام: أنا هنا… ولن أترككما
ورغم أن تعب الأيام كان يلتهم شبابها بصمت
بقى وجهها يحمل سكينة مطمئنة
كأن الله يضع على كتفيها صبرا لا ينفد
لا تشكو ولا تمل
وفي إحدى الليالي حدق والدها فيها بعينين مكسورتين وهمس بصوت ضعيف:
يا بنتي… إحنا أخدنا من عمرك كتير
فابتسمت ليلى ومسحت جبينه برفق:
عمري الحقيقي هو اللي باقضيه معاكم
وتدخلت أمها بدموع محبوسة:
خايفين تكوني بتتعبى… ربنا يعوضك يا بنتي
فقالت ليلى بثبات يشبه الدعاء:
يا ماما… التعب اللي فى رضاكم ما اسموش تعب ده نور هيشهد ليا يوم أقف قدام ربنا
كانت كلماتها تخلع الخوف من قلبيهما
وتعيد إليهما معنى الحياة
وكأنها تقول لهما:
أنتم السبب… وأنتم البركة… وأنتم العمر نفسه.
ظلت ليلى تعزف لحنها الخاص:
لحن ابنة منحت زهرة شبابها حبا خالصا
وعلمت أن العطاء إذا خرج من القلب لا يأخذ العمر… بل يباركه
وظل لحنها يزداد قوة
لحن لا يطفئه الزمن
ولا ينطفئ
قلب يعرف طريق الوفاء








































