تتحير بشدة أمام كثير من الشخصيات التاريخية، فترى في بعضهم سلوكا غير سوي وأخلاقا منفلته ومظالم وجور وربما قتل وغدر وفتك، وهو مع هذا معني بالجهاد و مقيما للشعائر ومُعظما للشرع وناصرًا للإسلام، وأحيانًا تجد له فضل كبير في الحفاظ على الدين، إذ لولاه لضاعت الأمة ودب فيها الوهن المؤذن بالزوال.
كثير من الشخصيات التاريخية على هذا النمط المحير، وقليل جدًا من تجده عظيم الأثر عظيم الأخلاق، فتلاقي أفعاله العظيمة أخلاقا قويمة ونفس تحلت بقيم العدل والإنصاف وملأها الإيمان والوجل من الله.
ومن ثم نرى كثيرًا من المُقومين لكثير من هذه الشخصيات، من يهوي بها أسفل سافلين، ولا يقيم لها أي وزن، ولا يعد لها أي فضل، لما ذكر عنها من سلبيات مخزية، لا تتوافق كثيرًا مع ما عُلم من إيجابياتها المضيئة التي ترفعهم مكانة عالية، والحق أن الحكم على هذه الشخصيات لابد أن يكون عادلا منصفا، فنذكر محاسنها وإضاءاتها، ولا نسمح لسلبياتها أن تغمط إيجابياتها ومحامدها.
أذكر من الكتب التاريخية التي قرأتها قديما كتاب (حماة الإسلام) لمصطفى نجيب، وهو الكتاب الذي قدم له زعيم الوطنية الكبير مصطفى كامل باشا، وكان بعض الأئمة قد أوصى بقراءة هذا الكتاب، وعده كافيا للبصر بملامح التاريخ الإسلامي وسيرته.
والحق أن هذا الكتاب وما تناوله من شخصيات، يصيب القارئ بحيرة بالغة، لأن به بعض الأسماء التي وإن كان لها أعمال عظيمة، إلا أننا عرفنا عنها الظلم والبطش والجور، وكنت في بداياتي لا أعي شيئا من مواءمات الحياة، فالنظر عندي إما أن يكون أبيضا أو أسودا.!
لم يكن لدي أي استعداد لتعظيم خليفة أو قائد او ملك، جعله مصطفى نجيب من كتيبة حماة الإسلام، بينما أنا قد علمت وقرأت عنه بعض صور الظلم والجحود المفزعة.
لقد جعل من هؤلاء هشام بن عبد الملك، والمعز لدين الله الفاطمي، وأبو جعفر المنصور، وغيرهم من أصحاب المظالم والمساوئ التي لم يذكر منها شيئا، وإنما ركز على نفعهم العام للأمة وتأثيرهم في قوتها وصلابة وجودها، والتحرك نحو تأمين مستقبلها.
ثم لما وعيت، صارت لي نظرة أخرى أقوم بها الأمور، وأحدد بها الأحكام، بل منهج مختلف في التعامل مع العظماء، فأركز على محامدهم في المواضع التي تتطلبها القدوة الصالحة، والمعنى الأثير الذي نوجه به حياتنا وحياة القائمين في مثل مقامهم من الروساء والزعماء، نأخذ من سيرة بلائهم الكبير، ما يجعلنا نربي الناشئة أن يحافظوا على أمتهم وأوطانهم ويبذلون في سبيلها الغالي والثمين.
أما مثالبهم فننحيها جانبا فالله أعلم بظروفهم وملابسات السياسة التي دفعتهم إليها، ورؤاهم التي ارتأوها، ولا يكون ذلك تبريرا للظلم والجور، ولكنه سبيل يمنعنا أن ننكر ما لهم من فضل وأثر.
قرأت مرة أن الغرب يذيعون محاسن زعمائهم، وفي مقابل ذلك يخفون هناتهم، حتى تظل صورتهم تحمل القدوة الحسنة للأجيال، فيقوى في نفوسهم معاني الاعتزاز بأمة تنجب العظماء والرموز الشاهقة.
وعلى هذا يجب أن نسير، نعرف أن هناك أخطاء، لكنها كانت تجاور كثيرا من ملامح البطولة والعزة والفخار.
هناك بعض الظلم، لكنه لم يكن وحده على الساحة التي كان يسودها عدل كبير.
هناك طمع في الملك، ولكنه يسير بصحبة جهاد كبير لا يمكن التقليل من كرامته وعزته وذكراه المبهجة.
انظر لسيرة المنصور ابن أبي عامر في الأندلس، فعلى قدر ما جلب الرجل العزة للمسلمين، وحارب أعداء الدين وأقام ملك المسلمين، وعلى قدر ما ذكر عنه في العدل والإنصاف وسياسة الدولة بإجادة وإتقان، على قدر ما كانت حياة الرجل مليئة بالغدر والغيلة والتنكيل بالمنافسين والمكر بالأنداد، صراعا على السلطة، وأربا في السيادة والملك.. سيرة مروعة معجونة بالغدر والمكر، لكنها أبدا لا يمكن أن تمحو ماله من فضائل عظيمة.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في مفتاح دار السعادة: "من قواعد الشرع، والحكمة أيضًا أن من كثرت حسناته، وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفي عنه ما لا يعفي عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل؛ فإنه لا يحمل أدنى خبث، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وهذا هو المانع له صلى الله عليه وسلم من قتل من جس عليه، وعلى المسلمين، وارتكب مثل ذلك الذنب العظيم، فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه شهد بدرًا، فدل على أن مقتضى عقوبته قائم، لكن منع من ترتب أثره عليه ما له من المشهد العظيم، فوقعت تلك السقطة العظيمة مغتفرة في جنب ما له من الحسنات ... إلى أن قال: وهذا أمر معلوم عند الناس، مستقر في فطرهم أن من له ألوف من الحسنات، فإنه يسامح بالسيئة، والسيئتين، ونحوها، حتى إنه ليختلج داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه؛ فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع.
وقال آخر:
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدًا ... فأفعاله اللاتي سررن كثير "
ولعلي في النهاية أقول: رجل واحد لا تجري عليه هذه المقاييس، ولا قيمة عندي لأي خير قدمه، إذ غلبت سيئاته حسناته، ولم تأخذه خشية ربه أن يوغل في دماء المسلمين، ويزهق أرواح الابرياء والأطهار، وهو الحجاج بن يوسف طاغية الغرب وسفاح بني أمية، وإن كل إنسان يحاول تبرير مواقفه او ذكر حسنات قدمها، إنما يكون فعله أشبه بعملية تهريج تعج بالسخف المقيت.








































