احذر أن تتسربل بثياب الدعوة ثم يكون في جوفك شيء من التكبر والعلو، بل يجب أن تعلم أن هذا الغرور هو أعدى أعداء الدعوة، والضربة القاصمة التي تقضي عليها من كثير من أتباعها حين لم يقهرها عدوها الخارجي.
التيه والغرور والانتفاخ الذاتي، من الأمراض العاتية التي تصاحب كثيرا من الدعاة، فتراه يتعالى على المدعوين وينظر إليهم بفوقية، وتجدها أكثر في بعض الدعاة الذين ينتسبون إلى جماعات دينية، حيث يمنحه هذا التحزب شعورا بالاستعلاء البغيض، وتصدير التصور للآخرين بأنه وجماعته وحدهم من يمثلون الإسلام ويعبرون عنه، وهو الإيحاء الذي ينفر الجميع منه ومن دعوته وجماعته، فالناس دائما يبحثون عن الرفق واللين، ويتحسسونه فيمن يخاطبهم، فإذا اشتموا منه رائحة العلو نفضوا أيديهم منه وأسقطوه من حساباتهم، فلا تقوم بينهم لدعوته قائمة.
يكون هذا هو الحال وقت ضعف الدعوة وانكسارها، ثم يكون عليها أبلغ الشر واسوأ المنقلب وقت انتصارها وتمكينها، فإذا عزت الدعوة وسادت وفازت، تتحول أعين الناس إلى مجاهر ترمق تصرفات الجماعة وأتباعها بعدسات مكبرة، فتضخم من هناتها إن وجدت وتعظم صغائرها إن لمست.
والدعوة دائما ولابد ان تلامسها طبيعة الانكسار وخفض الجناح والرفق بالاخرين، والداعية لابد أن يكون ودودا حانيا متواضعا طيب المعشر، دائم الابتسام، خافض الرأس، ولا نقصد من هذا أن نجعل منه عبدا ذليلا، ولكننا نريد أن نقول: كلما اقترب الداعية من الأرض كلما كان محبوبا في أعين الناس ومن قبلها قلوبهم.
بعض الجماعات قد دخلت بعض دورات الانتخابات البرلمانية، ولما فاز مرشحوها، صار أتباعها ينتهجون منهج التشفي من الآخرين، وإشعارهم بزهو قوتهم، وهو العمل الذي استحقره الناس وعابوه في أتباعها.
إن المنتصر دائما إذا لم يغلف نصره بلفائف التواضع، كان النصر عرضة للضياع وسببا في مهلكة دعوته، وقد قرأت عن صورة الفاتح المسلم قديما حينما كان يدخل المدن بعد أن تغلَبَ على جيوشها، يسير فرسان المسلمين في شوارع تلك المدن وهم يحنون رؤوسهم إلى الأرض تواضعا لله الذي نصرهم، وخشية من أن يطالعوا وجوه النساء اللاتي يشاهدن مسيرتهم من النوافذ، وهو مشهد ما أبهاه، حين يكون القوي الغالب متشحا باللين والرحمة والرجاء في الله.
إن اللين لا يستميل القلوب فقط بل يخترقها اختراقا، حتى ينقاد صاحبها لأصحاب الدعوة دون أي تفكير حينما يطغى القلب على العقل.
وإذا كنا نبين خطر الغرور والتعالي على الدعوة، فكيف بنا ونحن نشاهد بعض المتدينين اليوم لا هم له إلا أن يحكم على العصاة وغير المتدينين، بأحكام الفسق والردة، دون أن يسلك الصورة الصحيحة لدعوتهم وهدايتهم؟ إنه يرضي نزعة التعالي في نفسه، ولا يريد بما صنع وجه الله سبحانه.
ثم كيف له أن يحببهم في الدين، وقد شيد بينه وبينهم جدارا شاهقا عزلهم عنه وعزله عنهم؟ بل كيف يمكن بعد هذا أن يقبلوا منه نصحا او توجيها بعد أن صب عليهم اللعنات صبا.
إن الداعية طبيب والمدعو مريض، ولا يمكن للطبيب الذي يرجو شفاء المريض أن يعامله بالشدة والقسوة.
على الساحة الدعوية اليوم نلمس ونشاهد من أتباع الفرق والمؤسسات الدينية من يتعالى بعضهم على بعض، كل يزعم لنفسه العلم والفهم، ويرمي غيره بالجهل والإفك، وفي ميدان العلم ينسب كل منهم لنفسه الريادة فيه، فنرى من الصوفية من يوشك أن يجعل من شيخه إلها أو وليا يفوق درجة النبي، وينعتون هؤلاء بألقاب ملؤها الفخر والغرور والكبر الفارغ، بل إن هؤلاء العلماء أنفسهم يصفون أنفسهم بألقاب مهولة تنبئ عن نفوس خربة ضائعة جعلت الدنيا أكبر همها.. وعلى جانب مواجه، ترى بعض السلفيين يبدعون خصومهم، ويصفون شيوخهمم بأنهم أعلم أهل الأرض، وما دونهم راتع في الجهل والضلال.
وإذا بحثت في ظل هذا التصارع المحتدم عن النفس التي تربت في ظلال الإيمان، والروح التي أشربت معاني اليقين، لا تجد شيئا، لأن الحقد أعمى البصائر وأكل مراجله بواعث الإنابة.
لقد عاصرت من العلماء من كان قمة التواضع والتسامح، وكان نظره وعقله يبصر مشاهد الآخرة حية لا تغيب عن خاطره أبدا، فلم يكن للفخر والغرور ان ينال من نفسه منالا، بينما اليوم أرى كثيرا ممن يزعمون أنهم علماء، ويعطي كل منهم لنفسه من ألقاب الريادة والسيادة التي ترضي غروره ونفسه المريضة، فهذا يسمي نفسه بصاحب……. وأخر ينعت أمره بخادم…….. وثالث يتخيل نفسه العز بن عبدالسلام ويلقب نفسه بنور………. وكلها هراءت سخيفة تعبر عن نفوس صغيرة وقلوب متعلقة بالدنيا الفانية.








































