في وهدة زمن ينسلخ روقه، كان هو الفيض الماجد الذي لا يرتطم بساحل. لسانه وحده، المعراج السرمدي الذي ينتزع الروح من سغب العالم. لم يكن طيفا عابرا؛ كان الارجوان المدثر الذي نقشت به الذات ميثاق خلاصها.
في دارة عينيه، استشفت الطلسم الاول للتكوين. وفي جلال سكونه، سرت بها النغمة إلى سنا الإنشاد الكوني العتيق.
لقد كانت روحها قبله صحيفة بيضاء مهملة. وأقسمت أنه المداد الازلي الذي دبج به أول حروف حياتها المرتجاة. كان هو القضاء المرتضى الذي استراح إليه الكيان، والعروة الثابتة في لجة التشكك الهادرة. مأواها، بيقين العارف، يكمن بين خفقات قلبه الجوهرية.
وفي ليلة تجلي الإقرار التي أفضت بها إلى سدة المطلق، تساءلت فاطمة بهمس يتوقد:
"يا بهجة روحي وتيهها الأعظم، أنت الكنه الخالد؛ فهل أنا ذرات الازل التي لا ترتقي كمالها إلا بضيائك؟"
هز مصطفى رأسه في سكينة الواقف على الأسرار الكلية، وأفاض عليها نظرة ما زالت تفتح مغالق الليالي المستغلقة.
وابتلع أفق النشيد الثرى والسماء.
في صبيحة أعادت كل شيء إلى صلابة الواقع الحاد، دنا إليها الممرض برفق يضاهي رقة الصباح:
"يا سيدتي، هل تستذكرين شغف الوجد الذي كنت تناجين به؟"
ابتسمت، وذبل على شفتيها أثر هيام معرشق، ومدت كفها الواهنة لتتحسس الإطار المذهب فوق منضدة العلاج. كانت صورة لمتن مقدس، مجلد بهالة تفوح منها عبق الدهر، وهي تحتضنه.
قالت بصوت يرتل صمت اليقين:
"كان هو منبع التكوين. القلم الذي سطرني، واللغة التي لا يفك رمزها إلا في قباب روحي."
نفض الممرض كتفيه رمية المتجه إلى ضحالة أيامه، ومضى. هي لم تكن تحادث يوما سوى حبر ذلك المتن المتألق.








































