شدَّ قبضته على صندوق "التراب المُعتَّق". كلما انفتحت جفونه، لامسَ الهواء المُسرطِن الذي تنفَّسه الوطن. في جوفهِ: جوازٌ ملغومٌ بالغياب، وظلُّ أبٍ مُعلَّقٍ على حائط الذاكرة، ورقعةُ حرقةٍ هي بقايا قبلة وداعٍ من أمه. لم تكن دمعةً؛ كانت شظية تضحيةٍ، أو هكذا أُذِن له أن يعتقد. جلجلت صرختُه الأخيرة فوق رصيف الهجرة المخذول: "كلُّ عشقي لكِ، إلا الذي فيهِ تُلفُّني أكفانُكِ يا موطني!"
أعادَ قفلَ الصندوق. انتصبَ مُطلًا على المرآة. كان يرتدي بزةً عسكريةً، جيوبُها مُخاطةٌ بوعودٍ كاذبة، وعلى كتفهِ نجمةٌ حارقةٌ لم يستحقَّ ضوءها. همسَ لحارسه: "أقِمْ حفلَ التنصيب، لأُلقيَ خطبةَ المجدِ المُزيَّف."
في الساحةِ المُكتظَّة، تعالت أهازيجهم لبطلهم. أطلق خطابه كالرصاص على جمجمتهم عن استجداءِ الحياةِ بالدم، وعن تجفيفِ مآقي التاريخ. ثم مدَّ يده، مُتأبطًا صندوقَ التراب، ورفعه عالياً... كقربان.
هنا تداعى الصمت.
لم يكنْ في الصندوقِ سوى سلسلةٌ صدئةٌ تعدُّ الأعوام.
وإلى جوارِها، وشاحٌ مُلطَّخٌ بألوانِ المَغْنَمِ: "كلُّ ولائي لمن اشترى مطري بيباسِ وطني."
كاتب وقاص ليبي








































