جرّد الرائد مصطفى آخر أوسمته. خواء الكتف ما زال يحمل وهم البسالة، رغم عري الجيوب. نصف قرن أرخصه بين لهيب الثغور وعطش الثكنات، وجراح باردة تنزف رجع صدى لمن غابوا في مهب الواجب. معاشه المقنن فتات لا يسد رمق دوائه. لكنه ابتسم؛ فلقد أهدى للوطن نجمًا من عمره، ووشمًا من صبره.
في مساء الرماد، استند إلى شاشة البثور. تقرير يمجد وهم السيادة ويعلن خصمًا قاسيًا من فتات المحاربين. تبريرهم: "قسوة الاقتصاد سيف لا يرحم". شهق مصطفى بمر، ووجد في صدره طعنة من صقيع.
وفي الصباح التالي، وهو يطوي الدرب إلى مستوصف الوجع، اعترض طريقه موكب يبجل "سيد الكسب جابر" الذي تاجر بظلال السلاح، وراكم جبال الذهب من عرق الحماية. مر جابر، الذي كان يعرف مصطفى، بعربته الفارهة، أشار إليه بلمحة عين مترفة، ورمى إليه سقاطة نقود على أسفلت الإهمال.
عندما بلغ مصطفى العتبة، وجد إعلانًا مخطوطًا على باب بيته الذي يتداعى: "نظرًا لجدب الميزانية، يلزم المتقاعدين تطويع أيديهم لطلاء سور المعسكرات العتيقة؛ أجرتهم: وجبة غداء باردة."








































