لَا يَشْتَاقُ النَّازِفُ إلَّا مَوْسِمَ النَّخْلِ، وَلَا يَشْتَاقُ الْبَلِيغُ إلَّا مَدَائِنَ الْبُكَاءِ؛ لِهَذَا تَتَسَاقَطُ حَوَاسِي عَلَى الْفَاشِرِ، حَيْثُ كَانَتْ قُبْلَةُ الشَّمْسِ، وَسُؤْدَدُ الْوَجْدِ، وَعَرْشُ السُّلْطَانِ، الْمَوْسُومُ بِأَبَدِ الْخُلُودِ.
إِلَيْكِ جِئْتُ، وَفِيكِ تَضْطَرِمُ الْقُلُوبُ لَهِيباً، وَالْأَحْرُفُ تَتَفَتَّقُ جَذْوَةً فِي صَوْمَعَةِ الصَّمْتِ؛ لِأَكْشِفَ سِرَّ النَّزْفِ الْكَامِنِ، الْمُتَوَارِيَ خَلْفَ مَتَارِيسِ النِّسْيَانِ.
فَبِالْمَجَازِ عَصاً مِنْ نُورٍ، وَالِاسْتِعَارَةِ شَفْرَةُ حَدٍّ، كَانَ نَبْشُ تُرَابِكِ عِطْرَ دَرْبِ الْأَرْبَعِينَ؛ الَّذِي أَضْحَى مَحْجَرَ مَنَايَا، وَطُوفَاناً يَجْرُفُ الْأَهْلَ إِلَى لُجَّةِ الشَّتَاتِ.
لِأَسْتَنْطِقَ هَيَاكِلَ أَلْقَتْ بِهَا عَرَاةُ الْبَيْدَاءِ، كَأَنَّهَا وَحْيٌ مَبْتُورُ الْإِفْصَاحِ. هُمُ النَّاجُونَ الَّذِينَ انْخَلَعَتْ ظِلَالُهُمْ خَلْفَهُمْ، وَالرَّاحِلُونَ الَّذِينَ صَارُوا أُسْطُورَةَ صُمُودٍ بَيْنَ فِكَّيِ الْإِمْلَاقِ وَالْحِصَارِ.
الْفَاشِرُ، صِرْتِ الْآنَ تَجْسِيداً سُورْيَالِيّاً؛ أَلْوَانُهُ قَطِيعُ شِلْوٍ وَدَمٍ، وَفُرْشَاةُ رَسْمِهَا شَهَقَاتُ الْأَنِينِ فِي حَنَاجِرِ الْأَطْفَالِ. هُمُ الْأَطْفَالُ الَّذِينَ أَهْدَرُوا حُلُمَ الْمَنْقَةِ لِغَيَاهِبِ سَفَرِ الْمَوْتِ عَلَى كَاهِلِ الْجُوعِ؛ حَيْثُ السَّمَاءُ لَا تَسْكُبُ إِلَّا غَوَائِمَ الْخَوْفِ، وَالْأَرْضُ لَا تَجُودُ إِلَّا بِـأَشْوَاكِ الِانْبِتَارِ.








































