في زاوية هادئة من قلبي، ما زال هناك شيء صغير يرفض النسيان.
جلستُ قرب نافذة حجرتي الصغيرة أراقب الطريق كعادتي كل صباح، الطريق ذاته الذي صار صامتًا كأنّه فقد ذاكرته. لم أعد أرى سوى وجوهٍ ضبابية بلا ملامح. منذ تجاوزت الخمسين بدأت ملامح الدنيا تبهت أمامي، فمددت يدي أتحسّس الطاولة أبحث عن نظّارتي. ما إن ارتديتها حتى تنهدت بعمق، ثم اتجهت نحو الهاتف أتحقق من سماعته. ربما تحركت، فصارت سببًا في صمته الطويل. لكنّها كانت كما تركتها تمامًا.
عدت إلى النافذة أبحث بعيني عن شيء يربطني بالحياة. أمامي أطفال الجيران يركضون في الشارع بضحكاتٍ تملأ المكان. كم يشبهون طفلي الصغير محمد حين كان في عمرهم! الوحيد من أبنائي الذي عشق اللعب في الخارج، بينما ميادة قضت وقتها بين الكتب، لا تملّ القراءة أبدًا. كنت أراها في المطبخ تقف بجواري تسرد لي بحماس قصة البطل الذي خسر كل شيء، والبطلة التي ضحّت لأجل حلمها.
أما محمود، الأوسط بينهم، والأكثر عنادًا. دخل كلية التجارة لا حبًا فيها، بل تحديًا لوالده الذي أراد له أن يلتحق بالزراعة مثله. لم يكن الأمر رفضًا بقدر ما كان رغبة في إثبات ذاته.
كم تغيّر هذا البيت!
قبل أعوام قليلة فقط كان يعجّ بالحركة والصراخ والضحكات. اليوم لا أسمع سوى أنفاسي وصوت عقارب الساعة، وصوت الحصري يأتي من المذياع الصغير
من نافذتي المقابلة، صرخة أم كريم أعادتني للحاضر، تنادي على ابنها ليصعد، تمامًا كما كنت أفعل مع محمد حين كان يلهو بالكرة.
لكن بعد إصابته الأخيرة، اكتفى بمشاهدة المباريات على التلفاز.
تزوّج محمد العام الماضي، وكان آخرهم.
ومنذ زواجه، خفتت زياراتهم، حتى مكالماتهم صارت نادرة. حاولت إقناع نفسي بأنهم مشغولون، لكنّ الهاتف الصامت أمامي يهمس بعكس ذلك. ربما… فقط ربما، سماعة الهاتف ليست في مكانها.
نهضت متكئة على الحائط، أمشي بخطواتٍ بطيئة حتى وصلت إلى الهاتف.
تحسست السماعة والسلك، كل شيء كما هو.
أعدتها إلى مكانها وعدت إلى نافذتي. الطريق ما زال كما كان، صامتًا، والوجوه عابرة بلا ملامح.
نظرت يمين ويسار الطريق لعل اتجاه منهم ينبض بالحياه وتعود عيني للمعانها








































