الجزء ٦
قالت وهي بتمسح عرقها
– عادي يعني زي أي أب وبنته، ساعات نتخانق وبعدين نتصالح
قلت فجأة
– تعرفي موبي طبعًا
ارتعش جسمها وقالت
– لا ما أعرفوش... لا، لا، صحيح أعرفه
قلت
– قولي الحقيقة، تعرفيه ولا لأ
قالت وهي مطرقة ومتوترة
– أعرفه، هو كان متقدملي وبابا رفض، بس كده، ماعرفش حاجة تانية عنه
قلت
– بس أكيد تكوني عارفة اسمه الحقيقي أو حتى عنوانه، ولا إيه
قالت وهي لسه متوترة
– لا، يعرف منين؟ أنا ماعرفش حاجة
قلت
– غريبة! أمال هو شافك فين علشان ييجي يتقدملك
قالت وهي بتعدل الطرحة
– هو صاحب أخويا، وكان بييجي ساعات البيت يسأل عليه يعني
قلت وأنا بقلب في الأوراق قدامي
– حلو، امشي إنتي بقى ودخليلي أخوكي
دخل أخوها، وكان شكله حزين، لابس تيشيرت وبنطلون جينز، وحالق شعره من الجنب وسايب الباقي طويل.
جلس وهو مطاطئ الرأس، من غير ولا كلمة.
قلت له: "اسمك وسنك ودراستك."
ردّ بصوت متوتر: "اسمي سيف، عندي ١٧ سنة، ومخلّص دبلوم."
سألته: "وبتشتغل يا سيف؟"
قال وهو بيهزّ راسه: "دلوقتي لأ، كنت بشتغل عند بتاع فول وطعمية، بس دلوقتي سيبت الشغل وبدور على حاجة تانية."
قلت له بعصبية: "بُصلي وإنت بتتكلم! وقولي كنت فين امبارح؟ أنا رحت بيتكم ومكنتش موجود."
ردّ وهو بيرتعش وعينيه في الأرض: "كنت بدور على شغل."
قلت له: "وليه مكنتش بتشتغل مع أبوك بدل الغريب؟"
قال ودموعه نازلة: "جربت، بس مكانش بيرضى يديني أجرتي."
قمت ووقفت وراه وقلت له: "المرة اللي فاتت عوّرته بس، والمرة دي قتلتُه… مش كده؟"
وقف وهو بيعيط وقال: "أبداً! أنا ما قتلتوش، بقالي أكتر من أسبوع لا شُفته ولا كلمته."
لفّيت حواليه وقلت له: "عايز تقنعني إنك من غير شغل ولا فلوس، وما حاولتش تكلمه ولا مرة علشان تاخد منه فلوس؟"
قال وهو حاطط إيده على وشه: "ما كلمتوش علشان عارف ردّه، ومكنتش ناقص أسمع كلمتين يضايقوني. جدي قال إنه هييجي يصالح ماما، فقولت لما نروح كلنا أبقى أطلب منه."
تنهدت وقلت له: "بص يا سيف، لو اعترفت هيتحسب قتل خطأ، وساعتها الحكم هيبقى مخفف، خصوصًا إنك لسه صغير. فمتخافش."
قال وهو في حالة هستيرية: "محصلش! أنا ما شفتوش ولا كلمته من أكتر من أسبوع. ورغم كل اللي عمله فيا… بس زعلان عليه، لأنه مهما كان أبويا برده."
رحت على المكتب، وخدت المفاتيح وقلت له: "والمفاتيح دي… إيه اللي جابها في أوضتك؟"
بص للمفاتيح وقال: "دي مفاتيح الورشة… ماعرفش إيه اللي جابها عندي."
وقفت وقلت له: "الإنكار عمره ما هيفيدك. وموبي صاحبك برده… ما اتصلش بيه ولا شاف أبوك؟"
قال باستغراب: "موبي؟! ماعرفش… أنا متخانق معاه يا بيه."
قلت له وأنا بحط إيدي على كتفه: "والسبب إيه يا ترى؟"
قال وهو بيفرك في إيده: "اتقدّم لأختي السنة اللي فاتت، وأبويا رفض علشان سنها صغير. ولما جه السنة دي رفضه برده وشتمه علشان مش شغال. ولما جه يحكيلي علشان أقف معاه وأقنع أبويا، رفضت، وقلتله إني أصلاً مش موافق إن أختي ترتبط بيه. فاتخانق معايا ومشي."
قلت له: "ياريت تدينا عنوانه، لازم نتكلم معاه ضروري."
إداني العنوان. بعدها رنّيت على العسكري وقلت له: "خُد العنوان ده، ومعاك كام عسكري، وهاتلي موبي من هناك."
بصيت تاني لسيف وقلت: "هتفضل معانا شوية يا سيف، مش هتمشي دلوقتي."
بعد نص ساعة العسكري رجع ومعاه موبي. كان شاب أسمراني طويل، شعره زي شعر سيف بالظبط، عينه بتلف في كل حتة في المكتب ومش راضي يبصلي.
شاورت للعسكري يمشي.
وقتها سيف قام فجأة وهجم على موبي وحضنه وقال: "البقاء لله يا سيف، ربنا يرحمه… قلبي عندك يا أخويا."
بعد ما خلص، قلت له: "اقعد يا موبي، محتاج أتكلم معاك شوية."
قال بثقة: "أؤمرني يا بيه، أنا أي حاجة أعملها علشان أساعد الحكومة."
قلت له: "قولي الأول اسمك وسنك وشغال إيه."
قال وهو بيبص لسيف: "اسمي محمد جلال، وشهرتي موبي، عندي ٢٣ سنة، وبشتغل في سوبر ماركت."
قلت له باستغراب: "غريبة! سيف كان بيقول إنك مش شغال."
قال: "كنت يا بيه، دلوقتي الحمد لله لقيت شغل وبقيت كسيب. أنا بس عايز أعمل أي حاجة علشان أليق بأختك يا سيف."
بصيت لسيف وقلت له: "ياريت تستنى بره شوية."
بعد ما طلع، أعدت قدام موبي وقلت: "قولي بقى، الحركات اللي بتعملها دي ما تنفعش معايا. قتلته ليه؟ وعرفت تستدرجه الساعة ٥ الفجر للورشة إزاي؟"
وشه احمر وقال: "إيه الكلام ده يا بيه! أنا ما عملتش حاجة، من ساعة ما رفضني وأنا بس بشقى على شغل علشان يرضى بيا."
قلت له بعصبية: "يعني ما اتصلتش بيه قبل الجريمة بساعة؟"
اتوتر وقال: "لأ، هو أنا هتصل بيه ليه! غير يا بيه… أنا يوم الخميس كنت مسافر أجيب بضاعة لصاحب المحل، وما رجعتش غير على صلاة الجمعة. اسأل صاحب المحل."
قلت له باستغراب: "بس أنا ما جبتش سيرة إنه اتقتل يوم الخميس! عرفت منين؟"
سكت، وفضل يمسح في عرقه من غير رد.
قلت وأنا ماسك الموبايل: "غير كده… رقمك موجود عنده في سجل المكالمات. أنت متصل بيه أكتر من مرة يوم الأربع والخميس. شايف؟"
بص على الموبايل وهو بيرتعش وقال: "يا بيه، أنا كنت عايزه في شغل."
قلت وأنا ضارب بإيدي على المكتب: "شغل إيه! أنت لسه قايل إنك ما كلمتوش. كفاية لعب! اتكلم معايا دوغري، وقولي مين ساعدك… بدل ما ألبسها لك لوحدك."
قال وهو بيعيط: "والله يا بيه… أنا ماكنتش عايز أعمل كده. بس الزن على الودان… بقى."
قلت وأنا بحط الموبايل في الدرج: "أيوه، بالراحة كده. احكيلي اللي حصل بالتفصيل."
قال وهو منهار: "السنة اللي فاتت شفت أخت سيف، وأعجبت بيها. حاولت أكلمها، رفضت. لكن فضلت وراها لحد ما بقينا بنتكلم من ورا أهلها، وحبينا بعض. لما رحت أتقدم، أبوها رفض، رغم إني رحت كذا مرة، وكل مرة يقولي استنى لما تكبر."
قلت له: "واستنيت؟ ولا فضلت تقابلها؟"
قال وهو بيمسح عرقه: "فضلنا نتقابل في السر. وبعد ما خلصت دبلوم، قالتلي أروح لأبوها. رحت، لكن شتمني وكرشني علشان ماكنتش شغال وقتها. بعدها كلمتني، وقالت إن مفيش حل علشان نكون لبعض غير إن أبوها يموت."
قلت له: "وبعدين؟"
قال: "في الأول يا بيه… فكرتها بتهزر أو كلام غضب. بس فضلت تزن فوق دماغي، وتقولي على الأقل أهَدده علشان يوافق. ولما رفضت، قالت إني كنت بلعب بيها ومش بحبها. يوم الخميس كلمتني وقالت إنها هتبات عنده، وطلبت مني أتصل بيه بحجة إن الموتوسيكل بتاعي باظ، وأنا مسافر، وماعرفش غيره. وقالت إنها هتجيبلي سكينة من البيت أهدده بيها علشان يوافق."








































