معلمي (ف)،
أعتذر أنني ما زلت أناديك "معلمي"، فهو أمر خارج قدرتي.
ولكن يجب أن تعلم أنه بعد كل هذه السنين، ورغم أن لساني لم يكن يناديك إلا بالمعلم خجلًا، كان قلبي يصرخ بأنك حبيبي.
يجب أن تعلم أنني لم أنقطع عن مراسلتك يومًا واحدًا. أدركت أن هناك رسائل تصل أسرع من الكلمات على الورق، فقد أرسلتُ لك دقات قلبي مع كل نفس، وأيقنت أنها وصلت إلى فؤادك فزادت نبضاته، ورسمت قلبًا رآه عصفور صغير، فلم يخفِ سرًّا حتى وصل إلى نافذتك الصغيرة، وغرّد لحنًا لا يدركه سوى العشاق.
معلمي...
لقد تغيرتُ كثيرًا بقدر تغيّر قريتك الصغيرة. نضج قلبي، فلم أعد تلك الفتاة الصغيرة التي كنت تلقبها بالعنيدة. أجلس ليلًا وحيدة أتذكر نظرتك الغيورة. تعمدت دومًا أن أثير غيرتك لأرى ذلك القروي الذي يحاول دون جدوى إخفاء حب لا تستطيع عيناه إلا أن تبوح به.
شعرتُ دائمًا بهذا العشق الخفي، لكنني كنت أتألم؛ فكلما تقدمت خطوة ولامست قلبي، ابتعدت أميالًا. كنت أعلم جيدًا أنك رأيتني دائمًا تلك الفتاة المدللة التي لا تتحمل حياة القرية التي لم تعتد عليها.
والآن تخبرني أنك تغيرت وتخليت عن رومانسيتك، فكيف ذلك وأنا أشعر بحرارة جسدك في كل حرف من رسائلك؟
تقول إنك أصبحت أكثر جفاء، لكن دعني أخبرك أنني أرى ابتسامتك الملهمة بين السطور، وألمح دمعة الاشتياق ما زالت على الورق.
ولكن دمعتك هي التي شاخت وتندم على اليوم الذي قررت فيه أن تبتعد. أراك كل يوم في حلمي بنظرتك الغيورة، تحتويني بضلعك الأيسر بعيدًا عن أعين البشر، فتضحك روحي حينها، وأخبرك بعد كل هذه السنين ما زلت تغار.
لم تتذكر كم مرّ على غيابك، لكنني أتذكر جيدًا، وأخبر القمر كل يوم أن يضيء غرفتك، لعلّك تتذكرني وتعود.
لم تفهم يوم رحيلك حين أخبرتك أن هناك سرًّا بداخلي ستدركه يومًا عندما يبوح لك به ضي القمر. تخيلت وقتها أنك ستفهمني وتشعر أن عنادي لم يكن إلا عشقًا دفينًا، وقلبًا لا ينبض إلا باسمك.
ورغم كل شئ أراك كل يوم في نجمة حائرة وحيدة تحاول أن تقترب من القمر. لم أتوقف يومًا عن رسائلي. قبل هذه المرة كتبت مئات الرسائل بل آلافًا، وكنت أمزقها جميعًا خشية أن تكون ابتعدت بروحك وقلبك كما اختفى جسدك. كلما أنهيت رسالة شعرت بخجل من نفسي، وتساءلت
هل حبي أقوى بما يكفي ليحارب دومًا من أجل البقاء؟ ألم أكن أستحق أن تحبني بطريقتي؟
تركتني وحيدة في الطريق بعدما علمتني كيف يخلص العاشق للمعشوق. علمتني الصبر على الفراق، وعدم اليأس من الانتظار. تعلمت الدرس جيدًا يا معلمي، لكنك لم تعلمني كيف أتخلص من هذا الهوى، ولا طريقة للخلاص من حب وُضع باحتراف بين طيات الوتين. لأنه إن خرج، فبمنتهى البساطة ستكون نهاية الحياة.
أعلم أن قصتنا لم تنتهِ بعد، فقد كتبت بيدك البداية، وأبدعت في المنتصف، وجعلتني أتأمل نهاية سعيدة لكلينا.
لكنك تركتني داخل رواية بنهاية مفتوحة، ضائعة بين سطورها.
كل ليلة أعيد قراءتها من جديد، لعلّي أجد نهاية مرضية، بعيدة عن الهجران والألم والحرب التي نخوضها لنثبت كلٌّ منّا أنه كان على حق في البعاد.
نخوض معركة كأننا أعداء لا أحباء. فأغضب من نفسي، وفي الصباح تبحث عيناي عنك في الطرقات.
أنتظر، وأخبر الشمس أن تطيل ولا تغيب. فإذا حل الظلام أعلم أنك لم تأتِ، فأعود إلى غرفتي، وأرسل رسالة جديدة في الهواء، لعلها تصل إلى روحك وتخبرك أنني أنتظر وأشتاق إلى لمساتك لشعري المبعثر، فتجعله أكثر أناقة من ذي قبل.
لقد نضجت يا معلمي وتعلمت الكثير في غيابك، لكن كل ما تعلمته كان مؤلمًا، قاسيا فانكساري جعلني أبتسم ابتسامات باهتة، وأصبحت أرى الجانب المظلم في كل شيء. لم يعد لي رفيق سوى الوحدة التي جعلت مني زهرة ذابلة.
معلمي...
أعلم أنك أرسلت العديد من الرسائل، قرأتها جميعًا، لكن كلماتها لم تكن سوى تبرير للهجران، وأمنيات لي بالسعادة أينما كنت.
كيف تخبرني بالسعادة وأنت من سلبتها؟ تقول إنك رحلت من أجلي، فيجب أن تعلم الآن أنه منذ رحيلك وأنا أبحث عن ذاتي ولم أجدها.
سأرسل لك هذه الرسالة التي لم أجرؤ على إرسالها طوال تلك السنين، لأنني أشعر أن الانهيار والوجع أنهكني. عندما كنت في حياتي كنت أشعر بالاطمئنان. كنت مختلفًا عن الجميع، لم تتخلَّ عني، ولم تحتمل حتى أن تتركني هائمة.
رأيتك غيرهم، فكلما رحلت كنت أعلم أنك ستعود إلى قلب يظمأ عند ابتعادك. أخبرت روحي دومًا أنك ستعود، وكنت تعود حقًا. لكن هذه المرة طال الابتعاد، وصار قلبي يحمل الخذلان، ولم أعد قادرة حتى على العتاب.
لم أستطع الاعتراف أنك مثلهم، تستطيع أن تؤذي من يقترب أو يحب بصدق.
معلمي، لقد اشتقت إلى غضبك من ضحكتي العالية، وإلى كلماتك المنمقة التي تأسر قلبي وعقلي. دعني أخبرك شيئًا خجلت دومًا من البوح به أنت لست معلمي فقط، بل حبيبي الذي تمنيت أن يكون لي. وما زلت أنتظر، فالرواية التي بدأتها لم تنتهِ بعد.
عزيزتك (ص)








































