كانت دلال تدير مشهدها الدرامي ببراعة فائقة، تجلس في برزخٍ بين الواقع والخيال، وتمسك بخيوط اللعبة كأنها مايسترو يقود سيمفونية من العذاب واللذة. لم يكن ديسم بالنسبة لها مجرد رفيق، بل كان طعماً حياً ومثيراً تستخدمه لاستفزاز صمت "الرجل الشبح" القابع في ذاكرتها. كانت تتعمد مغازلة ديسم أمام مرآة روحها، تسكب له من عبارات الغزل أرقها، وتمنحه نظراتٍ مشحونة بالوعد والولاء، ليس حباً فيه، بل لتتشفى في خيال الحبيب الغائب الذي كانت تتخيله يقف في ركنٍ مظلم من وعيها، يراقب المشهد وتشتعل في صدره نيران الغيرة الآكلة. كانت تتلذذ بتلك الفكرة؛ أن تجعل "الشبح" الذي هجرها واقعاً، يشعر بمرارة الهجران خيالاً، فتبالغ في تدليل ديسم، وتفسح له المجال ليمارس ذكاءه وتلاعبه، مغذيةً غروره بضحكاتها الرنانة، وهي في الحقيقة تلسع بها غياب الآخر.
كانت دلال تشعر بنشوة عارمة وهي ترى ديسم يزهو بنفسه، يظن أنه انتصر في معركة الاستحواذ، بينما هي تستخدمه "سوطاً" من كبرياء لتجلد به طيف من خذلها. كانت كلما زادت في غنجها مع ديسم، تخيلت ملامح الحبيب الغائب وهي تتلوى من الضيق خلف جدران الذاكرة، مما يدفعها للمضي قدماً في اللعبة. ولكن ديسم، بذكائه اللماح الذي كان سلاحه الأقوى، بدأ يشعر ببرودة المعدن في عواطفها؛ أدرك أنه ليس سوى واجهة مستخدمة، وأن تلك المغازلات لم تكن موجهة إليه بقدر ما كانت طعنات موجهة لغيره. أحس بقزامة دوره وهو يرى دلال تسحب منه البساط في لحظات التجلي، لتعيد تذكيره بضربة خاطفة أن "الأصل" لا يزال يمتلك قلبها حتى وهو يحترق غيرة. أمام هذا الاستنزاف النفسي، وأمام شعوره بأنه مجرد أداة في يد امرأة تتلذذ بصراع الأشباح، سقط كبرياء ديسم وتلاشى تلاعبه، وآثر الهروب من تلك الحلبة المشتعلة، تاركاً دلال وحيدة مع أشباحها وذكرى غيرةٍ لم تكن متأكدة يوماً إن كانت حقيقية أم من صنع خيالها الجامح.








































