للمرة الألف يباغتني السؤال ذاته:
ما بك؟
وللمرة الألف تخرج الإجابة نفسها، قصيرة، باهتة، كأنها لا تحمل معنى: لا شيء.
لكن الحقيقة أن هذه اللا شيء ليست فراغًا، فهي تختزل الكثير من الوجع الكامن بالروح.
هي الكلمة الوحيدة التي أجدها مناسبة للتعبير عن جميع أنواع الألام الداخلية، كما أنني أجدها الكلمة الوحيدة الصالحة للنجاة، لأُغلق بها باب الأسئلة، وأُخفي خلفها وجعًا لا أعرف كيف أشرحه، ولا أثق أن أحدًا سيفهمه كما هو.
أقول لا شيء لأن الكلمات تخونني حين أحاول أن أصف ثِقل ما بداخلي. لأن المشاعر حين تتراكم فوق طاقتها، تفقد قدرتها على الخروج مرتبة أو مفهومة. لأن الخذلان حين يتكرر، يُرهق القلب حتى يعجز عن الشكوى. ولأن القهر حين يطول، يتحول إلى صمتٍ ثقيل لا يُحتمل.
أقول لا شيء، ليس لأنني بخير، بل لأنني تعبت من محاولة الشرح والتبرير.
تعبت من شرح ما هو واضح، ومن تبرير مالا يحتاج إلى تبرير، ومن الدفاع عن مشاعر وأفكار ومبادئ لا يراها غيري.
تعبت من أن أبدو ضعيفًا في عيون من لا يجيدون إلا الأحكام السريعة، ولا يملكون الصبر للإصغاء والحكم بتجرد وموضوعية.
كل شيء من حولي يمضي كما هو؛
فبرغم كل شئ مازالت الحياة تسير بنفس الروتين اليومي، بلا جديد، بلا هدف.
الأيام تتشابه رغم اختلاف أسماءها.
السبت يشبه الأحد كذلك الإثنين والثلاثاء، يلحق بهم الأربعاء من ثم الخميس والجمعة، ينتهي أسبوع يليه أخر وشهر في أعقابه شهر، يمر العام تلو العام، يزداد العمر وينقص الشغف.
الشمس تشرق وتغرب وكأنها تؤدي واجبًا روتينيًا لا أكثر.
والناس يعبرون… كثيرون، الضجيج يحاصرني من جميع الإتجاهات لكن الوحدة تزداد.
ووسط كل هذا الزحام، أبحث عني فلا أجدني.
أبحث عن صوتي فلا أسمعه.
أبحث عن معنى يُحرّك المياه الراكدة في داخلي، فلا يحدث شيء.
هنا تصبح لا شيء هي الرد الأكثر صدقًا، والأقل استنزافًا.
هي الجدار الأخير الذي أختبئ خلفه كي لا أنهار.
هي القناع الذي أرتديه لأواصل العيش، لا الحياة.
لا شيء…
هي لغة من يعيش حضورًا بطعم الغياب.
من يجلس بين الناس وحيدًا.
من يحمل في داخله أسئلة بلا إجابات، ووجعًا بلا اسم، وأملًا مُرهقًا لم يمت… لكنه لم يعد يملك القوة ليقاوم.
وحتى يأتي ذلك الشيء القادر على كسر هذا الصمت،
ذلك الضوء الذي يُعيد ترتيب الفوضى في الداخل،
سيظل السؤال هو نفسه،
وستظل إجابتي، كما هي، بكل ما تحمله من وجع غير معلن وبوح صامت، يحتاج لمن يقرأ ما بين السطور، نعم كما توقعتم بالضبط، "لا شئ".
لا شيء.








































