نكتبُ رقمَ الخسارة، لا لأننا نؤمنُ بأن الفقد قابلٌ للعدّ،
ولا لأن الألم يقبلُ أن يُحاصر بعلامةٍ أو تاريخ،
بل لأن الإنسان، حين تتكاثر عليه الفوضى، يحتاج إلى أثرٍ يدلّه على أن ما جرى كان حقيقيًا.
رقمُ الخسارة ليس فعلًا فرديًا خالصًا كما نظن.
هو امتدادٌ خفيّ لطقوسٍ أقدم منّا:
عدّ الأيام في الحداد،
تسمية السنوات بأسماء الحروب،
تذكّر الأعوام لا بما عشنا فيها، بل بما فُقد خلالها.
الجماعة تكتب قبل الفرد،
لكن الفرد هو من يحمل الرقم في داخله وحده.
ونحن لا نكتب لأن الكتابة تشفي حتمًا،
ولا لأن الاعتراف يولّد وعيًا فوريًا.
أحيانًا لا يحدث شيء.
أحيانًا يزداد الألم وضوحًا،
وأحيانًا يتضخّم حين نضع له اسمًا.
لكن الكتابة، في أضعف إيمانها،
لا تعد بالشفاء،
بل تمنحنا القدرة على البقاء مؤقتًا،
إلى أن يصبح الفهم ممكنًا.
الرقم هنا ليس دقيقًا كما يبدو.
قد يكون تاريخًا،
أو عمرًا توقّف،
أو اسمًا لم يُنطق بعد.
وقد يكون مجرّد محاولة يائسة لتثبيت خسارةٍ مركّبة
لا تختصرها علامة واحدة.
لذلك لا ينافس الرقمُ الكلمةَ ولا الصورةَ ولا الوصف،
بل يقف بينها كمسافة،
كإشارة تقول:
«هنا حدث شيء، ولم أستطع تجاوزه صامتًا».
الخطر لا يكمن في التسمية،
بل في الوهم بأن التسمية نهاية.
أن نظنّ أن الرقم يُغلق الحساب،
ويحوّل الفقد إلى ذكرى مكتملة.
بينما الخسارة كائنٌ حيّ،
تتبدّل هيئته مع الزمن،
وتطالب بحقها في التحوّل، لا في التحنيط.
أما «نحن» في هذا النص،
فليست جماعة متجانسة،
ولا صوتًا إنسانيًا واحدًا.
نحن أولئك الذين خسروا أشياء مختلفة
لكنهم اضطروا إلى اللغة ذاتها.
من فقد وطنًا لا يكتب كمن فقد وظيفة،
ومن خسر جسدًا لا يعدّ كما يعدّ من خسر حبيبًا،
لكن الجميع، في لحظة ما،
احتاج إلى علامةٍ فاصلة
ليواصل السطر.
نكتب رقم الخسارة
لا لنفهم كل شيء،
بل كي لا نضيع تمامًا
قبل أن يأتي الفهم.








































