إِقْلاع
يستنطقُ معصمه؛ كان النبضُ آلياً مريباً. في زجاج النافذة، لمح غريباً يرتدي بدلة "الظروف"، ويسلكُ طريقاً ممهداً بالرؤوس المطأطئة. عند المنعطف، رأى الآخر الذي يشبهه؛ يجلس عند حافة الهاوية، يلوّن الريح بأفكارٍ محرّمة ويضحك. تجمّدت الآلة في معصمه. قدماه غارقتان في وحلِ الإذعان، بينما ظلُّه قد عبر إلى الضفة الأخرى منذ زمن. أدرك حينها: هو يملك التذكرة، والآخر يملك الريح. شهق.. خطا خطوته الأولى خارج الممر المعبّد.. حينها فقط، بدأ القلبُ يخفق!
نِصْفان
في القبوِ الذي سحقتهُ القذيفة، سادَ صمتٌ يضجُّ بالأسئلة. قبضَ سليم على كفِّ أخيه؛ مِرساةً أخيرةً ضدَّ الغرق. ضغطةٌ صلبةٌ ردَّت على ارتعاشِ أصابعه؛ ميثاقٌ كُتِبَ بحبرِ البدايات، يتجددُ الآن تحت ركامِ النهايات. حين أزاحت الرافعةُ سقفَ الموت، ذُهل الجميع؛ لم يجدوا جثتين يجمعهما الدم.. وجدوا جسداً واحداً بقلبين، ورئةً واحدةً تتنفسُ للأخوين.
عُرِيّ
بمطرقةِ الشرع، غرسَ مسمارَهُ في قلبِ الجدار. علَّقَ فوقَهُ لوحةً مُذَهَّبةً تآخى فيها الخطُّ الكوفيُّ مع كلمةِ المعروف. خلفَهُ، كانت زغاريدُهُ للرابعة تطعنُ صمتَ الزوجةِ الأولى، وهي تداري بقطعةِ ثلجٍ لَحماً أزرقَ، نبتَ إثرَ نصيحةٍ غليظةٍ من كفِّه. حين غادرَ بخيلاءِ الفاتحين، صَفَقَ البابَ خلفَهُ. اهتزَّ الجدارُ، فسقطت اللوحةُ. انشطرَ الإطارُ المزيّف، وبقيَ المسمارُ ناتئاً.. حاداً، ووحيداً.. يثقبُ وجهَ الحقيقة.
اِنْفِلات
تحت خفوتِ سراجٍ واهن، كانت الرقةُ غيثاً يرتشفه الظمأ. فجأة؛ جمح الجوادُ، انطرحَ، فاعتلت صولجانَه بعصفٍ مباغت. مزّق الذهولُ الصمت: أيُّ وحشٍ اعتراكِ؟. نبذها عند حافة الشبق، وانكبَّ ينهشُ أنوثتها بجوعٍ بدائي. جسدُها إزميلٌ يُحتضر فوق صخرة السرير؛ أدركت حينها أنَّ السائس غادرَ.. وبقي الحيوان. وما صمتُها إلا اعترافٌ مرٌّ بانتصار الغريزة على القناع.
تَعْمِيد
عرياناً أمام نصل الضوء، نفض عن كاهله غبارَ سنينٍ لم تمرّ. انصهر الخوف في يقين قلبه. لم يلتفت لظله. خارج العتبة، كان الزقاق يغرق في طوفانٍ صاخب. عبرَ. ظلَّ جافاً بذهول. تعمَّد بحقيقة تحترق تحت جلده. تعثر العابرون بالرماد.. ارتفعَ هو. كلما سقطت منه خيبة، نبت في المدى نصرٌ لبلادٍ تولد من مخاض الحريق.
حد خَلْع
يُغالبُ اسمَهُ المحفورَ كقيدٍ؛ يئنُّ كلما نادوه. في الزاوية، كان الحنينُ يرتشفُ ملوحةَ الذكرى. بتمردٍ مباغت، نزعَ عن كاهله الحرفَ الأول، ثم الثاني.. تساقطت الألقابُ جثثاً هامدة. حين كفّت الذاتُ عن مطاردةِ ماضيها، وضعتِ الحربُ أوزارَها.. وأورقَ السلامُ في ملامحهِ الجديدة التي لم يقرأها أحدٌ بعد.
وِراثة
أوثقَ صغيرَه إلى جذع نخلةٍ عتيقة. صرخَ الطفلُ ذعراً. الأبُ يبتعدُ باكياً نحو القرية التي ينهشها الحريق. خلفَ سحبِ الدخان؛ الجدُّ يرقبُ المشهدَ من شرفته. يبتسمُ بمرارةٍ. يتحسسُ النّدبةَ الغائرةَ حول كاحله.








































