كاتبة لا رصيد لها من العلم والفهم والدراسة والتمحيص، ألفت كتابا في مسألة دينية شائكة، بنت كل فصوله واستوحتها من فهم أبتر قاصر محدود سطحي، وشبهات ساقطة واهية، لم تتعمق في الموضوع، ولم تتبحر في المضمون، تسولت كل الشبهات والتهم والادعاءات الفاسدة، وتصورتها حججا عقلية تتأبى على الاحجام وتستعصي على الرد، لم يكن لها من عبقرية فيما كتبت ونشرت، إلا أن أعادت ونشرت زيوفا مدوحضة من غباءات المستشرقين.. كل ما فعلته وأثبتت عبقريتها فيه، أنها وضعت للصفحات عنوانا مثيرا.. وتلقف الجهلاء هرطقاتها ظنا منهم أنها حوت العلم والفهم والدراسة والتجديد، صفقوا لها وعدوها مجددة مثقفة، مع أنها لم تكن إلا ناقلة بغباء لكلام قيل واندرس وبطل وانتهى، ولكن الجهل دوما بيئة صالحة لتعالي الإفك وإثمار الزيف والضحك على العقول.
قرأت المرأة شيئا واقتنعت به، ولم تكلف خاطرها أن تبحث عن نقد ورد وضحد، حتى صارت عند المثقفين الواعين مادة للسخرية والتندر، لكنها في عين الجاهلين درة الفاهمين، وحينما أعلمناها بما أحاطها من غباء، وما اقترفته من تخريف، لم تستجب ولم ينل منها نصحنا نيله، لأن سحر الشهرة وبريق التصفيق من أكف الأغبياء الجهلاء أعمى بصيرتها، وحذف ضميرها، وضلل عقلها، وعطل رشدها، فصدقت نفسها أنها داعية التحرر وملهمة التجديد، وبارقة الزمان.. وهكذا صار لها محل في سوق الجهلاء وحدهم، فعاشت فيه ونعمت بظلاله، ورأت فيه مكسبا أوفى من عالم الحقيقة، لأنه الأكثر ذيوعا وانتشارا وحضورا.
أما ردود الغالبين، وحجج الراسخين، فما أبخس سوقها بين العارفين والمطلعين.. ألا إن أكف الجهلاء ظاهرة دائمة تئن منها دنيا الثقافة والمعرفة، ويعتمد عليها كثير من المرجفين في ترويج إفكهم وزورهم، في مجتمع فتح آذانه للشبهات، وخاصم القراءة والاطلاع، فساد الإرجاف كل مكان، وتعالى في كل الدروب.
وأكف الجهلاء لها صولة لا تموت، بل تحيا وتدوم، وتسلم طنينها جيلا بعد جيل، وتلقم رايتها من القديم إلى الجديد.. ففي قضية كتاب الإسلام وأصول الحكم، ما زال إلى اليوم يطبع ويجد من يحيي أفكاره ويردد عواره، مع أنه قد نال الوفاء من ردود العلماء، الذين أظهروا خرفه، وكشفوا شنائعه، وبينوا باطله، لكن الكتاب وإلى اليوم ما زال حيا في بيئة الجهلاء، وما زالت أكفهم تدوي له تصفيقا وإعجابا، لا لشيء إلا أن أصحابها جهلاء لا يدرون ولا يفقهون، تعيش عقولهم تحت أوهام التجديد الذي يواجه الجمود.. وهم دفاعا عن تصفيقهم، لا يرون رد الباطل إلا هُزالا لا قيمة له، وظلاما يحاول أصحابه أن يواجهوا به النور، ومن المفجع أنك حينما تغلبهم بالحجج والبرهان، لا تتفتق مخايلهم إلا عن قول إفك حينما يقولون: هذا رأيك وفهمك الذي يخصك، ولكل رأيه وفهمه، وأنا أتعجب أي رأي هذا الذي يعتد به وينسب إلى مادة الرأي حينما نجد من يقول: إن الشمس تشرق من الغروب؟!
هل يمكن لعاقل أن ينعت هذا الجنون بأنه رأي.
ما أقبح العقول حينما تتخذ من الأهواء آلهة تعبد.








































