بداية أقول : لاتبيح الشريعة الإسلامية بحال من الأحوال أن يُقدم إنسان على قتل نفسه وهو حرّ مختار ، وتوجّه وتندب دائما إلى الصبر والرضى بما قسم الله ، والجزاء هو الجنة لمن صبر ورضي واستسلم ، ووثق في الله تعالى وأنه يبتلي الإنسان ليهذبه لاليعذبه .
والنهي عن قتل النفس صريح في القرآن الكريم ( ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ) وقد ختمت الآية بالتذكير بصفة الرحمة ، ليعلم المبتلي اليائس أن هذا الابتلاء هو عين الرحمة ، وسيتجلى له جمالياتها إن صبر ورضي وشكر .
أما في السنة المشرفة فهناك عدد من الأحاديث التي توعدت المنتحر بسوء المصير في الآخرة، ومنها ماهو متفق عليه .
هذا هو الحكم العام في مصير المنتحرين في الآخرة في شريعتنا الإسلامية .
ولكن ينبغي التأكيد على عدة أمور ، هي محل اتفاق بين الفقهاء ، في سبيل فقه العقوبات والجزاءات التي جاء بها الوعيد الشديد في الآخرة في حق المنتحرين وغيرهم من أهل الكبائر - حاشا الشرك بالله - فقها صحيحا :
الأول : أن هذه العقوبات إنما جاءت للردع العام ، وكحكم عام في المطلق ، ولكنها تتعلق في النهاية بالمشيئة الإلهية ، فإن شاء سبحانه عفى وإن شاء عاقب ، والنص العام الحاكم في ذلك ( إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء )
ومن هنا قال النووي رحمه الله ( من قتل نفسه ومات من غير توبة فليس بكافر، لايقطع له بالنار وهو في حكم المشيئة ) يعني موكول أمره إلى مشيئة الله .
وعليه ، فكل الكبائر ومنها قتل النفس والغير والسرقة والزنى وماشابه ، تشملها دائرة العفو الإلهي ، مادام صاحبها قد مات موحدا ، لايشرك بالله شيئا .
الثاني: أن حرمة الانتحار وكذا كل الكبائر والموبقات ، إنما تثبت في حق من يقدم عليها حرّا مختارا ، يعني : غير مكره على الفعل إكراها تاما ملجئا - بالتعبير الأصولي - بحيث يخرجه هذا الإكراه عن دائرة الرضا والاختيار ، فيصبح في حكم غير المسؤول عن تصرفاته ، ولايؤاخذ عليها لادنيا ولاأخرى مادام لم يتعد الضرر إلى غيره ، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأفعال المطلوبة والأمور المخوّف بها ، فقد يكون ماهو إكراه في حق شخص ، ليس كذلك في حق شخص آخر - كما صرح النووي رحمه الله في كتابه روضة الطالبين .
[هذا في المجمل وهناك تفصيلات مطولة للأصوليين فيما يختص بأنواع الإكراه ودرجاته وضوابطه ، تراجع في المصادر الأصولية ، فالمجال هنا لايتسع للتفصيل في مثل هذا الموضوع ، الذي صنفت فيه المصنفات ، ومنحت فيه درجات علمية كثيرة ]
- وأضيف هنا : أنه وكما أن هناك إكراها من الغير على فعل ما - وهذا هو الذي دارت حوله دراسات الأصوليين - فهناك إكراه من داخل النفس الإنسانية نفسها ، فالمرض النفسي - كما أوضح أهل الاختصاص- درجات ، وقد يصل بالمريض إلى الإغلاق العقلي التام ، فيصبح صاحبه معدوم الرضا والاختيار ، وفي حكم المكره على الفعل بقوة خارجية تماما ، ولافرق .
وفي هذه الحالة من الممكن أن يقدم المريض على الانتحار، والطبيب النفسي فقط هو من يحدد، إن كان المريض في لحظة انتحاره قد وصل إلى هذه الحالة أم لا؟ وبناء عليه يكون التكييف الفقهي للحالة، وصولا إلى الحكم فيها .
فالله تعالى يقول ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج… ) ويشمل هذا الحكم كافة أنواع الأمراض ، والمرض النفسي كثيرا مايكون أشدها ضراوة ، بل إن هناك توجها في الطب الحديث يؤكد على أن الأمراض الجسدية ، ترجع في أغلبها إلى أمراض نفسية في الأصل .
الثالث: -وهذه نقطة مهمة جدا - أنه لايجوز في شريعتنا الحكم على معيّن باستحقاق النار أو الخلود فيها مطلقا .
وهنا قد يعترض معترض فيقول : ولكن النصوص توعدت المنتحرين بالخلود في النار .
أقول : نعم ، هذا حكم عام ، أشبه بالردع والزجر وفي المطلق ، كما ذكرت ، ولكن لايجوز مطلقا تنزيله على أحد بعينه من المكلّفين باتفاق الفقهاء .
يعني لايجوز مثلا أن يقول أحد : فلان بن فلان مات منتحرا ، إذن هو في النار .
فهذا الحكم الذي هو على معين لايجوز اتفاقا .
بل وقرر الفقهاء أن هذا الحكم نفسه ليسري على الكافر والملحد والمشرك والظالم ، وكل من توعدهم الله ورسوله بالنار في المطلق ، أو باللعن ، أوبالطرد من رحمته - فنحن وإن كنا نؤمن باستحقاق من هؤلاء صفتهم النار تصديقا بالنصوص التي جاءت بها -، لكن في المطلق ، ودون تعيين لأحد.
لأن الخواتيم والمصائر لله ، ولاينازع الله فيها أحد من خلقه ، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن ، ولايدري بدخائلها إلا هو جل وعلا ، وقد يعفو الله تعالى عمن فعل الموبقات من خلقه لذرة يقين اطلع عليها في قلبه ،مع أن ظاهره السوء والشر ، والعكس صحيح.
ولذا كان العارفون والعباد أخوف ما كانوا يخافونه هو سوء الخاتمة، لأنه لن يدخل أحد الجنة بعمله ، كما قال صلى الله عليه وسلم .
والخلاصة : أنه بدلا من أن نتحول إلى جلادين لهذه الفتاة المنتحرة لظروف قاهرة أسلمتها إلى ذلك - كما يبدو - علينا أن نسلمها لرحمة الله تعالى ، فليس مخلوق أكرم على الله من الإنسان ، وليس أرحم بالإنسان من خالقه.
وعلينا أن نسعى وبجد وعزم على إنقاذ الآلاف ممن هن في مثل ظرفها من مثل هذه النهاية التي أوجعت قلوبنا ، بإعادة تربية هذا المجتمع ، الذي لايزال يقيم فاصلا حادا بين حقوق الإناث وحقوق الذكور ، وإنسانية الإناث وإنسانية الذكور ، وحريات الإناث وحريات الذكور ، وأخطاء الإناث واخطاء الذكور…الخ
هذا هو واقعنا المأساوي في ظل تشريع سماوي منصف وعادل ومحكم ، وقانون أحوال شخصية يحاول أن يجاري الشريعة السماوية في إنصافها وعدلها وتسامحها.
ولكن لدينا مهندسون مهرة في التحايل على القانون بواسطة من يبيعون ضمائرهم بلَعاعة من الدنيا ، وفي التحايل على الشريعة بتفسير نصوصها تفسيرا يكرس للتمييز والعنصرية وغياب العدل والحق ، فضلا عن الإحسان .
يحدث هذا ونحن لدينا سورة كاملة في القرآن الكريم تسمى ( سورة الطلاق ) هذه السورة التي على قصرها ، أحيطت من مبدئها وحتى نهايتها بجو تشريعي رفيق بالمطلقات ، حيث تكرر فيها الأمر بالتقوى ، ووجوب مراعاة حدود الله ، والتحذير من تجاوزها .
هذا بالإضافة إلى العناية بالحديث عن كافة حقوق المطلقات المادية والمعنوية : العدة والنفقة والسكنى ، مع التوجيه إلى الإمساك بمعروف أو الفراق بإحسان ، وعدم مضارة المطلقة بتطليقها في وقت يطيل عليها عدتها ، ووجوب نفي المضارة والتضييق عليها في كل ذلك ، في نص واضح وصريح ( ولاتضاروهن لتضيقوا عليهن ) مع توصية خاصة بذوات الأحمال والمرضعات منهن .
ولاأجد دعوة إلى التحنن على المطلقات في هذه السورة من قوله تعالى ( ومن يتق الله يكفر عنه سيآته ويعظم له أجرا )
يعني هذا جزاء من يتق الله في مطلقته ، بتوفيتها حقها دون مضارة، فماذا بعد ذلك؟
ليس هذا فحسب ، بل وعده الله تعالى وفي السورة نفسها ، بالفرج بعد الضيق ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) وبالرزق الوفير يأتيه من حيث لايحتسب ( ويرزقه من حيث لايحتسب ) وباليسر بعد العسر ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ) بل وبعودة الوئام والحب بينه وبين مطلقته …( لاتدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا)
وختاما أقول : مع ظروف هذه الحياة المعاصرة التي أطبقت على صدورنا جميعا -نحن جميعا في حاجة ماسة إلى الإكثار من هذا الدعاء ( يامقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ) ودعوا الخلق للخالق .








































