لاأدرى من أنى تسرب إلينا الاعتقاد بأن العلاقة بين الدين والقبح علاقة طردية ، وأنه كلما زاد دين المرء زادت فظاظة قلبه وخشونة ملبسه ورثاثة هيئته …
أما التهندم ونشدان الجمال في الهيئة والملبس ، والعناية بنثر الورود والرياحين في شوارعنا وأزقتنا ، فهو من عمل الفارغين اللاهين من أهل الدنيا ، هكذا يعتقد أكثرنا !!!
وهذا الاعتقاد أبعد مايكون عن حقيقة ديننا الحنيف ، الذي يحتل فيه الجمال أعلى قيمة من قيمه الإنسانية العالية والرائعة في الوقت نفسه ، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يقرب إلى أذهاننا صفات إلهنا الواحد الذي نعبده في صفة جامعة قال " إن الله جميل يحب الجمال "
ولما كان القبح مستهجنا في شريعتنا نجده صلى الله عليه وسلم يعرض عن رجل من هؤلاء المتخشنين في هيئتهم حينما دخل عليه وهو في مسجده صلى الله عليه وسلم ، ليس ذلك فقط ، بل أشار إليه بأن يخرج من المسجد ، فخرج الرجل ثم عاد مصلحا من شعره ، فقال له صلى الله عليه وسلم " أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان "
وفي حديث آخر يقول " من كان له شعر فليكرمه "
فإما أن تتعامل مع شعرك ككائن حي تحسن إكرامه فيمنحك طلة جميلة وهيئة مهندمة ، وإما أن تفعل العكس فتغدو شيطانا أو تكاد .
ومعلوم أن العرب كانت تمثل لكل قبيح بالشيطان ، وجريا على هذا الأسلوب وصف القرآن الكريم شجرة الزقوم من شجر جهنم بقوله " طلعها كأنه رؤوس الشياطين "
- أما عن عناية القرآن الكريم بتحريك القلب والشعور واستنفارهما لكي يتيما بهذا الجمال المتنوع المبثوث في كون الله ، فهي عناية مستفيضة ، حتى يداخلك يقين بأن العروج إلى الله تعالى لن يكون إلا لقلوب متيمة بالجمال ، تعشق الجمال الإلهي المبثوث في كونه ، والإبداع البياني المعجز الذي استغرق كتابه الكريم كله ، حتى أحاطه من مبدئه وحتى منتهاه .
ولا يتسع المقام هنا مطلقا لحديث مفصل عن مدى عناية القرآن الكريم بالحديث عن الجمال ، ولفت الأنظار إليه في كل مظاهر الحياة حولنا (سماء وأرضا وسهولا وجبالا وأنهارا وبحارا وزروعا وثمارا وفي أنفسنا وأزواجنا وأبنائنا وأموالنا ودوابنا ) ولكن دعوني أتوقف معكم أمام آية كريمة جاءت في معرض امتنان الله تعالى على الإنسان بتسخير بهيمة الأنعام له ، حيث عنيت الآية أولا بلفت الانتباه إلى الوظيفة الجمالية لهذه الأنعام " ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم"
الجمال إذن قبل المنفعة ، وحين تنتفع بالشيء يجب أن تحبه أولا وتستشعر جماله - حتى ولو كان بهيمة ذات أربع - حتى تدرك قيمته فتحافظ عليه.
ولكن حين لاتكون سوى المنفعة المفرغة من القيمة ومن الجمال يصبح من غير المستغرب أن نرى بيننا من لايزالون يلهبون ظهور دوابهم بالسياط استحثاثا لها على سرعة السير ؟
ومن يلهب ظهر دابته بالسياط يصبح من اليسير عليه أن يلهب ظهر زوجته وولده وهلم جرا ، فالقبح يقود إلى الأقبح ، والقلب الغليظ لايفرق .
والخلاصة هي أننا إذا لم نعن بالتربية الجمالية ، فلن يكون لدينا دين ولا أخلاق .
ملاحظة
تم إعادة نشر المقال بعد تصويب لفت إليه الأستاذ الفاضل محمد سعيد . مع تقديم الشكر الجزيل لمعاليه








































