:
أتمنى بعد هدوء هذه العاصفة من الغضب والحزن على هذه النهاية المؤلمة للزهرة الجميلة بسنت، أن لا ننسى - وكالعادة -ماحدث سريعا ، ثم نفاجأ بأن هذه الفاجعة كانت البداية لما هو فوق تصورنا واستيعابنا .
وأنا هنا لن أكرر أحاديث الشجب والإدانة ولاحتى كلمات النحيب والحزن ،فكل الكلمات دون الحدث، ومانستشعره من حزن وغضب .
ودعوني أتحدث بصراحة : إن اعتياد الكثيرين والكثيرات في مجتمعاتنا وبخاصة المجتمعات المغلقة على تتبع عورات بعضهم ، والتفكه بها في مجالسهم المغلقة ، هذه أمراض وعلل قديمة تعاظم خطرها وكثر في الآونة الأخيرة ، ونحن في غفلة عنها أو في شغل ، وكان لابد من الانتباه إلى أننا إزاء عصر مختلف وجيل مختلف . ولئن اعتاد بعض من لاخلاق لهم من أجيال ماقبل هذه الثورة التكنولوجية الحديثة على إدارة حوارات الخوض في الأعراض في تجمعاتهم المغلقةفي خفية واختلاس ، ودون إذاعة تمسكا بأهداب قيمة الستر ، وعدم فضح بنات الناس خشية على بناتهم ، فنحن الآن أمام وضعية أخرى ، ووسائل مختلفة .
ثم ماذا ننتظر بعد أن اعتاد الناس جميعا في القرى قبل المدن على أن يستيقظوا كل صباح على مشاهد هابطة وأخبار فاضحة تصنع صناعة لأجل التريند ؟ بل إن هناك من المشاهير من يتبارون في هذا الميدان ولو بفضح أنفسهم بأنفسهم جهارا نهارا ودون أدنى حياء .
الفضح إذن لم يعد سلوكا مجرما ، فلماذا لايستخدمه الشباب الغافل غير المسئول لشغل هذه المساحة الهائلة لديه من الفراغ الذهني والنفسي والثقافي والتربوي والقيمي ؟ مع غياب ملحوظ لدور الأهل والمسئولين عن التربية والتعليم في بلادنا ، وكذا الحال بالنسبة لدور المسجد وخطبة الجمعة التي باتت أشبه بدرس إجباري سخيف وممل لكثرة تكرار موضوعاتها ، بالإضافة إلى ضعف مستوى عدد غير قليل من الأئمة لامن الناحية العلمية فقط . ولكن من ناحية التأثير في الناس والشباب على وجه أخص ، هذا فضلا عن عدم معاقبة مدمني الفضح وكتائب صناعته في السوشيال ميديا ، ودعوني أسأل : أين هي العقوبات الرادعة الناجعة لمنتهكي الخصوصيات مدمني الفضح والتجريس والنهش في الأعراض ؟ لم نسمع عن أدنى عقوبة مست أحدا من هؤلاء فكان نكالا لغيره .
ثم ماهي معلوماتنا عن قيمة الستر في الإسلام والتي من المفترض أن نغذي بها عقل ووجدان أبنائنا سلوكا ومقالا ؟
يؤسفني أن أقول إن هناك من بيننا من يظن أن الفضح واجب ديني ، وأن التطوع بفضح زوجة أمام زوجها أو ابنة أمام أبيها مما يقربه إلى الله زلفى ، ولو كان توهما ومن صنع خياله المريض .
لايزال يوجد في المناطق ذات الشوارع الضيقة والبيوت المتلاصقة من يقف مستترا خلق الشبابيك أملا في ان تقع عيناه على "حرمة "يضبطها فيمارس هوايته في فضحها انتقاما وتشفيا .
وماعلم هذا الشقي أن الشريعة تتشوف إلى الستر ، حتى وإن كان المذنب في وضع المتلبس بارتكاب الفاحشة فعلا ، مادام متخفيا مستترا بستر الله عليه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض عمن يخبره عن شيء من هذه القاذورات ، ويقول وهو موليا وجهه عنه " هلا سترته بثوبك " بل إن والد فتاة جاء إلى سيدنا عمر رضي الله عنه يخبره بأن ابنته جاءها خاطب ، وأن هذه الابنة كانت قد أحدثت في الجاهلية - يعني ارتكبت جريمة الزنا - ثم تابت وحسنت توبتها ، فهل يخبر خاطبها بما كان منها ؟ فقال له سيدنا عمر رضي الله عنه، "أما لو فعلت لأجعلنك نكالا ، انكحها نكاح العفيفة المسلمة ".
المؤسف أن هذا النوع من التثقيف الديني لايزال يجهله الكثيرون ، حتى بعض أولائك الذين يتصدرون للناس بالفتيا في بلادنا ، فلايزال يوجد لدينا من يفتي في الواقعات الشبيهة. ،حتى وإن اغتصبت الفتاة أو أكرهت أو استدرجت وهي لاتدري ، بأنه يجب إخبار الخاطب بما كان منها ، وإلا فهي غاشة ومدلسة وخائنة ؟ مما يعني : وجوب الفضيحة .
انظروا ماذا تفعلون بالبنات الغافلات ياأهل الفتوى والتنوير ؟ ومن هذا الخاطب الذي سيسمع مثل هذا الاعتراف من خطيبته أو وليها ثم يتمم خطبته منها ، أو حتى يتركها وشأنها دون فضحها ؟ إنه حكم على هذه الفتاة وأسرتها بالموت البطيء والفضيحة معا .
وأخير ا أطالب بضرورة التوعية والتربية والعقاب الرادع لكل فاضح متجريء منتهك للحرمات ، فإن "الله يزغ بالسلطان مالا يزغ بالقرآن " كما أخبر صلى الله عليه وسلم .
وأطالب كذلك بالاهتمام بتدريب أبنائنا وبناتنا في المدارس على كيفية حماية أنفسهم من لصوص التكنولوجيا - الهكرز - أو الحماية بشكل عام.
وقبل ذلك لنمسك ألسنتنا عن الاقتراب من سيرة الناس بما يسوؤهم ، ولنكن قدوة لأبنائنا وبناتنا في ذلك ، ولنحرص على مصاحبتهم والاستماع إليهم ، وبذر الثقة والاحترام بيننا وبينهم .
ولننكر جميعا وبصوت عال على المتجرئين والمتجرءات على إعلان القبح ، ولنعلنها غضبة جماعية ولعنات تترى على المواقع المتربحة من وراء ترويج الفحش وإشاعته في المجتمع .
وأذكر بقول الله " والذين يؤذون المومنين والمؤمنات بغير مااكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا "