أظنّنا نحاول إقناع أنفسنا أن العيش طلقاء هو النجاة؛
أن نُقصي العِشرة، ونخفّف التعلّق، ونغلق الأبواب قبل أن يداهمنا الوجع.
نردّد: كن حرًّا، أطلق يدك، خفّف روحك، والتزم قوقعتك…
مهما يكن القريب.
لكن كيف يكون «مهما يكن»؟
وكيف نتجاوز الفطرة باسم الحكمة؟
أتكتمل حياةُ الأمِّ دونَ وليدها؟
وكيف يعيش الأب وحيدًا، لا لغياب أهله،
بل لأنه غريب بينهم؛
حاضرٌ جسدًا، معزولٌ روحًا،
كأن العائلة صارت جدرانًا بلا دفء؟
وكيف تتنافر أخوّةُ الدم بعد أُلفة،
ويختلفون من بعد وفاق؟
بأي منطق يُطلب من الإنسان أن يكون جزيرة،
وهو خُلق ليأنس ويُؤنس؟
وكيف يعيش الصديق بعد خيانة صاحبه،
شريك العمر والذاكرة؟
وأين يبدأ التخلّي، وأين ينتهي الترك؟
لا تقل لي: «لا تتعشّم»،
فلو لم نتعشّم
لما تكاثرت كسور القلوب،
ولا كان للخذلان هذا النَّهَم.
نحن في زمن وباءٍ خفيّ؛
أخلاقه واهنة، وحياؤه مُنهك.
نموت ونحن أحياء،
ونمشي على الأرض سجناء.
تُزيَّن العزلة باسم القوّة،
ويُقدَّم الانفصال دواءً،
بينما الإنسان لا يُشفى بالوحدة،
بل بالاتزان.
ولن أقول:
ليُسقَ كلُّ ساقٍ بما سقى؛
لا لأنني ملاك، ولا واعظة،
بل لأن الدنيا لا تُمسك على حال؛
تمرّ، وتتبدّل،
وتعود إلينا بأثر ما نتركه فيها.
فيها نزرع، وفيها نحصد،
ولك مثل ما زرعت…
فلا تنسَ.








































