جاء فراس إلى أمه، وعيناه تتلألأن بقطرات الدموع.
ومقلتاه غائمتين بالأسى، وترسم أهدابه أحزانه. والشقوق في حواف أقدامه تشكو جراحه، وأصابع يداه كأقلام تكتب آلامه. قال لها: لقد تمزقت أكعاب أقدامي، وكثر استهزاء خلاني بي، وسخرية الأصدقاء مني، ومعايرة الأصحاب لي.
وأمه مشغولة في كومة الصوف أمامها، وبيدها مطرق رمان تطرق به الصوف، جالسة على سطح البيت. أريدك يا أمي أن تطلبي من أبي أن يشتري لي حذاءً يستر قدمي.
وكان فراس كثيرًا ما يسير حافي القدمين، يمشي على الجمر لا يهاب شدة حرارة ناره، وعلى الشوك ولا يخشى تفطر قدميه بالدماء.
لأنه كان يتأذى من الأحذية الجديدة، فإن حذاء البلاستيك، عندما يلبسه أول مرة، يؤذي قدميه أثناء السير. لأن مؤخرة حذاء البلاستيك تضغط على كعب قدميه كأنما سكين تقطع كعب قدميه، و يشعر بأن لبسه يسبب له ثقل وكأن قدميه مكبلتان بقيود من حديد. كان يرتدي الحذاء عندما يخرج من المنزل للعب، وبعد أن يبتعد عن البيت، يخلعه ويضعه تحت إبطيه. وعندما يبدأ باللعب، يضعه في زاوية قريبة منه ويسير على الأرض حافي القدمين على الحجارة المتوهجة من شدة حرارة الشمس، منهمكاً في اللعب حافي القدمين.
غير مبالٍ، فقالت له أمه: 'حذاؤك تمزق من طول لبسه ومرور الوقت عليه، أم أنك قمت بتمزيقه بسكين أو بشفرة مشرط؟'
فقال لها فراس: لم أقم بتمزيقه يا أمي، ولكن يبدو أن أمي قد نسيت أنني منذ عامين لم أشترِي حذاءً. فقالت له: صبرًا يا بني ريثما يعود والدك من البستان، سأخبره بأن يشتري لك حذاءً وبكل ما تريد. ولكن الآن يا بني، اذهب إلى (الكِوارة) وهي خزانة متوازية المستطيلات لها ستة أبواب، يضع فيها الفلاح مؤونته من الحبوب واحتياجاته التي تكفيه للعام، من قمح وشعير وفول وبازلاء وبرغل وعدس وفريكة وغيرها من الحبوب الضرورية لمؤونته. توضع فيها الحبوب من الأعلى، ولها أبواب من الأسفل تفتح ويخرج ما يحتاجه الفلاح من المؤونة، ثم يغلقها وهي مستودع مؤونة الفلاح.
فذهب فراس إلى مستودع الحبوب (الكِوارة) وأخرج منه بمقدار تنكة سمن يزن ما يقارب كيلوين. ثم جاء بها إلى أمه، فقالت له: اذهب بها إلى دكان أبو صالح. كان هذا الحاج أبو صالح يملك دكانًا يبيع فيه جميع لوازم أهل القرية من قماش، وخيوط لخياطة الثياب، وحلقوم، وحلوى للمناسبات والأعياد. وكان تاجرًا أمينًا، يتقي الله في البيع والتعامل مع أهل القرية، يبيع نقدًا، والسلعة بالسلعة، وبالدين. وكان في سداده للدين يركب حماره وبيده دفتر الدين ويطوف على بيوت القرية بيتًا بيتًا.
ليجمع ما يستطيع الحصول عليه من ديون.
وكان أمام دكانه بئر حفرة للغرباء من أبناء السبيل، والعطشى من أهل القرية.
يتوضأ منه للصلاة، فقد كان جارًا للمسجد ودكانه بالقرب من المسجد، ولا تفوته صلاة مكتوبة جماعة. وصوته جميل في الأذان، فقد جمع بين جمال الخُلق.
و وجهه أبيض كالبدر، وفيه نسمات من الجمال وحسن صوت الحلق. لجمال صوته وعذوبته، عينته وزارة الأوقاف مؤذنًا في مسجد القرية.
ويوم الجمعة، كان يذكر الناس لصلاة الجمعة قبل موعدها بنصف ساعة، لتنبيه المصلين الاستعداد والتبكير للمسجد. وإعلانًا بقرب موعد صلاة الجمعة، كان لباسه المزنوك إزارًا ورداءً. فطلبت أم فراس من ابنها أن يذهب بتنكة من السمن يملأها قمح من( الكِوارة) لدكان الحج أبو صالح وابدال تنكة السمن التي بداخلها قمح بخيوط بيضاء (فتلة) قوية لخياطة الثياب، وأن يشتري حلقومًا وحبل ملبسًا، لأني، يا بني، أريد خياطة فرشات الصوف بعد أن أخرجت ما فيها من صوف وشمستها و(طرقتها) قامت بضربها بمطرق الرمان، وغسلت أثواب الفراش بعد أن أفرغت ما فيها من صوف. وكانت هذه عادة نساء القرية في كل عام، حيث يقمن بحل وفك فرشات الصوف وغسل الصوف والثياب على بئر الماء ، ثم يشمسنه ويضربنه بمطرق رمان رفيع ليخف وزنه وتصبح متفتحة لتبدو جديدة. وهذا قبل مجيء العيد، وكذلك الغطاء الذي يستخدم للنوم، قالت له :كما ترى يا ولدي الحبيب.
فأنا مشغول لإنهاء عملي قبل أن يحضر أبوك، ولكن لا تتأخر وتنسَى ما أوصيتك به، وتنشغل بنفسك واللعب مع أقرانك من أبناء الحي. ذهب فراس إلى (الكِوارة) وفتح بابها الخاص بالقمح وأخذ بمقدار تنكة سمن. ثم ذهب إلى الحج أبو صالح وقال له: أمي تريد خيوط فتلة لشد وكرب فراش الصوف واللحاف (الغطاء)، وتريد حلقوم وحبل ملبس. وخذ هذه، ثمنها تنكة سمن من القمح. فنظر الحج أبو صالح إلى فراس من أعلى إلى أسفل، من رأسه إلى قدميه، بعين الرحمة والشفقه،
وابتسم له ثم نظر ودقق فشاهد تشقق قدميه من المشي حافياً، فقال له: لماذا أنت حافي القدمين؟
فقال له فراس: لقد أخبرت أمي أنني أريد حذاءً، فقالت عندما يعود والدي من العمل في البستان. فقال له الحج أبو صالح : لماذا تنتظر والدك حتى يعود من البستان؟ سوف أعطيك حذاءً جميلاً على مقاس قدميك، بعد أن أعطيك ما طلبت أمك. ارجع إلي بتنكة سمن ثانيه من القمح حتى أعطيك الحذاء بدلاً منها. وعندما يعود والدك من البستان، فإنه سيمر من أمامي، سأخبره بما طلبت منك ، ولن يعاقبك عندما يعلم أنني طلبت منك ذلك. وسوف أعطيك أجمل حذاء عندي، لم يلبسه أحد غيرك، لتلبسه في قدميك وتحافظ على نظافة قدميك، ولا تعرضها للاتساخ.
وتحميها من الأشواك والزجاج حتى لا تتشقق وتجرح قدميك. اذهب وضع القمح في ذلك الشوال، وخذ متطلبات أمك وعد إليّ. فرجع فراس بالأغراض التي طلبتها أمه ومشترياتها.
وما أن وصل أمه واعطاها ما طلبت حتى دخل إلى الغرفة التي توجد فيه (الكِوارة)، وأخذ تنكة سمن قمح، وعاد مسرعاً إلى الحاج أبو صالح، واستبدل الحذاء بتنكة سمن القمح. ثم رجع إلى البيت، ولما رأته أمه، قالت له: هل ضحك عليك الحاج أبو صالح وطلب منك أن تجلب له تنكة سمن قمح أخرى مقابل أن يعطيك حذاء؟ لكن يا بني، أخاف أن يغضب عليك أبوك ويسخط ويصرخ عليك، ويعتب عليك بسبب فعلتك هذه.
فقال فراس لها: لقد أخبرني الحج أبو صالح أنه سوف يخبر أبي. فقالت له: لا عليك، يا بني، سأُدبر الأمر مع والدك. وبعد غروب الشمس، عاد أبو فراس إلى البيت من البستان، يحمل تعب اليوم وعناءه على كاهله، كأنما يحمل جبالاً شاهقة.
وقد مرّ في أثناء عودته إلى البيت بدكّان الحج أبو صالح، فسلم عليه، فرد أبو صالح السلام، وأخبره بما حدث بينه وبين فراس. فقال له أبو فراس: شكراً لك يا أبو صالح، كنت أريد أن أخبرك في الصباح أن تعطي فراس حذاءً إذا شاهدته، فقد سبقتني للخير، جزاك الله خيراً.
وكانت أم فراس قد سخنت لزوجها دلوًا من الماء ليستحم في (لقن الحديد)، وهو حوض كانوا يستحمون به للمحافظة على جفاف البيت حتى لا تصابه الرطوبة من بقايا ماءالاستحمام.
وعندما يمتلئ اللقن، يُوضع على الأشجار القريبة من البيت. وبعد أن تناول وجبة العشاء، جلس لشرب الشاي بطعم الميرمية مع زوجته لينسى تعب هذا اليوم.
وهم جالسون في السهرة على ضوء المصباح (وصوبة الكاز) مشتعلة. قالت أم فراس لزوجها أبو فراس: لقد طلب مني فراس أن أشتري له حذاءً، فقدماهِ قد تمزقتا وتورمتا لأن حذاءه القديم قد تمزق، وهو يسير حافي القدمين بين أقرانه وأصدقائه، ويسخرون منه. وقبل يومٍ دخلت جمرةٌ في أسفل قدميه وأنا أخبز في فرن التنور، وكان هو حولي يتضوع جوعًا ولم يشعر بها وبلهيبها لولا أني أنتبهت له عندما شممت رائحة حريقٍ في قدميه، فاشفقت عليه وحزنت عليه. فيجب علينا أن نشتري له حذاءً، .
فقال لها: لقد أخبرني الحج أبو صالح أنه أعطاه حذاءً جديدًا جميلًا مقابل تنكة سمن قمح.
ثم قال لها: نادي عليه لنرى كيف مقاس الحذاء على قدميه. فلما سمع فراس صوت أمه تنادي عليه، كان قد دخل الخوف في نفسه. ووجهه اسود وهو مختبئ خلف الجدران، يمشي مستندًا على الحيطان ذليلًا منكسرًا، رجلٌ للأمام ورجلٌ للخلف. وقف أمام والده، تزداد نبضات قلبه، كل نبضتين معًا في آن واحد، ترتعد فرائصه، وفي جبهته يبرز هرمٌ الغضب، وأنفاسه مضطربة، والخوف يملأ عينيه، خائفًا من عقاب والده له. اقترب من والده فقال: نعم يا أبي. فنظر أبوه إليه وإلى حالته التي لا يُرثى لها.
قال له أبوه: وهو مبتسم ما لك يا بني خائفاً هكذا؟ اقترب مني، فاجلسه في حضنه. فقال له بعد أن ربت على كتفه وقبله: لا أريدك أن تخاف من أحد إلا من الله، فمن خاف الله، خافه كل شيء. ومن خاف من الناس، خوّفه الله من كل شيء. ولكن احترام الناس والإحسان إليهم والتأدب معهم مطلوب يا ولدي. لم تفعل ذنباً حتى تخاف من العقاب. لقد أخبرني الحاج أبو صالح بكل شيء، ولماذا لم تذكرني عندما أحضرت لي الغذاء أنك بحاجة إلى حذاء؟ فلا عليك يا ولدي، فأنا مشغول جداً بالبستان والعمل في نكش الأرض حول الأشجار، ونسيت أن أخبرك أن تذهب لدكان الحاج أبو صالح.
وتأخذ من عنده حذاءً تستر به قدميك، ولكن خاب ظن فراس من أن والده سيعاقبه على ما فعل، فقد وجد من أبيه قبولًا واستحسانًا. وبعد أن انتهت السهرة، قال له أبوه: اذهب يا بني ونام حتى تستيقظ إلى المدرسة مبكرًا، نشيطًا. مبارك عليك الحذاء الجديد، والبس جديد ومت شهيدًا وعِشْ حميدًا. فذهب فراس للنوم بعد أن تبدل الخوف إلى سعادة وأمل وأحلام سعيدة، فنام هانيًا قرير العين.
قصة من أمي
- 🔻
-
- بقلم: شادي عبد الكريم سليمان الربابعه
- ◀️: مدونة شادي الربابعة
- الزيارات: 222
- رقم التوثيق: 23174








































