عند الفراق يا صديقي 
"اجعل لعينيك الكلام فسيقرأ من أحبك
سوادها، واجعل وداعك لوحةً من المشاعر،
يستميت الفنّانون لرسمها ولا يستطيعون، فهذا
آخر ما سيسجّله الزّمن ، والزمن لا ينتظر أحد"
أنا شاب مصري ، من عائلة حماد الكبيره ، من مواليد "حارة الحماديه فى قرية صغيره جميله" فى رحم دلتا النيل العظيم ، تعلمت وتربيت فى القاهره حيث عاشت اسرتي ومكان عمل والدي فى فريق الحرس الخاص للمرحوم جمال عبد الناصر فى شرطة رئاسة الجمهوريه.
تعلمت فى مصر أعظم تعليم فى مدارسها الحكوميه ، وهذا والله على ما اقول شهيد أعظم ما قدمته مصر لي أنا شخصيا ولجيلي وزملائي الذين افتخر بهم وتقدمهم العلمي ليصبح غالبيتهم اساتذه علماء وأطباء وكبار ضباط فى الجيش والشرطه.
افتخر وأتشرف بأني شاركت محاربا مجندا فى جيش مصر فى ملحمة إستعادة الكرامه فى 6 أكتوبر 1973 حيث "فشخنا" جيش الصهاينة وكسرنا وقهرنا إلى الابد أسطورة أنه جيش لا يقهر.
بعد انتهاء خدمتى العسكريه ، قررت السفر خارج الوطن الغالي .. ذلك الوطن فى حينها كان المجتمع يتمتع بالإحترام ، وملتزم بدستور غير مكتوب اسمه "العيب الإجتماعي" .
وخرجت فى منتصف السبعينات ، شابا يافعا ، ذهب غريبا ليجمع برق السنابل .. كان وسيظل تفرحه من الوطن الرسائل .. وحققت مسيرتي الأكاديميه والمهنية بنجاح مبهر فى بيئتي الحاضنة الجديده ، واهداني الله أسرة جميله وكان فضل الله عظيما.
وطالت غربتي فى بريطانيا (حتى اليوم 46 سنه) ، ولم احضر فترة عهد الرئيس مبارك بالكامل اي ما يقرب من 30 سنه. لم انتمي الى اى حزب سياسي أو جماعه عقائديه ، بل كنت وسأظل :
مصري مسلم ساده لا على الريحه ولا سكر زياده
فى هذه الفتره 30 سنه تغير المجتمع المصري تغيير هائل ، فى البيئة الحاضنة ، والسلوكيات والأخلاقيات وايضا فى عدد السكان ، كنت انزل اجازات واجد نفسي فى وطني ، بيتنا فى القاهره ، مدارسي واصدقائي ، قريتي وحارتي واهلي واتنعم بزيارتهم .
ولكن هذا مجتمع لا اعرفه ، ولا اعرف العادات الجديده والأخلاقيات الجديده ، لم يكن فى قاموسي القديم كلمة "عشوائيات" ، أو "بيئه" ذلك المصطلح العنصري الوقح الذي اخترعته طبقة "الأغنياء الجدد" طبقه مرفهة فارغه أو من تصفهم لغتنا المصريه العاميه بطبقة "شبعه بعد جوعه" ، وكأنهم هم من يعرفون مصر ، محبوسة هي فى "كمبونداتهم" المقفوله بالتكبر والتعالي على الشعب .
تلك الطبقه المرفهة الفارغه الذين يشجعون أولادهم على الكتابه "بالفرانكوٱراب" ، والتحضر عندهم هو أن يتكلمون بينهم لغه انجليزيه ركيكه وهم يعملون "شوبنج" فى كارفور 
وصدمتني القاهره ، هذا الشد والجذب المروري الفظيع ، حتي اني كنت اتمتم الشهادتين عند محاولة عبور الشارع .. أي شارع.
حتى فى أحد الجلسات ، سالت عن صديق لي ، فقالوا ما شاء الله ، مهندس فى المحليات ، وعنده مكتب مقاولات ، وقال أحدهم هو وأخوه الان عندهم عدة ارانب .. أرانب ؟؟ هل عندهم مزارع أرانب ؟؟ تسائلت ! فقالوا مبتسمين : أرانب يعني ملايين فى البنك ! .. يا الله .. هكذا أصبحت الأمور.
ورأيت من علامات التطور أو سياسة الإنفشاخ (عفوا اقصد الإنفتاح) وجود عدد كبير فى القاهره من مطاعم ماكدولاند ، وبيتزا هت ، وفراخ كنتاكي ! علما بان المستشفيات مازالت كما هي باهتة الالوان ، مزدحمه ، يجلس المرضي على أبوابها.
الأسواق أصبحت مطحنه ، والناس فى الشارع اختفت البسمه الرائعه ، وحاولت الهروب فى كافتيريا على النيل العظيم ، فوجدت مكتوب "الحد الأدنى 100 جنيه" فإستفسرت فقيل لي : تشرب ما تشاء أو لا تشرب تدفع 100 جنيه ! يعني لو شربت فنجان قهوه بس برضه ادفع 100 جنيه !! مع ارتفاع ضغط دمي ، تماسكت من إلقاء الكرسي فى النيل وخرجت.
ذهبت الى قهوه بلدي تطل على ميدان الروضه فى المنيل ، لم تتغير ، الوجه الباسم : تشرب إييه يا باشا ؟ فطلبت مبتسما قهوه زياده وزجاجه صغيره من الماء .
طبعا الٱن عندما ازور الوطن ، والحق يقال ، اجد طرق وكباري كبيره رائعه بعضها ينافس ما فى أوروبا ، ولكن وبرجاء لا تغضبوا مني فأنا منكم وانتم مني :
مازالت السلوكيات البشريه هي كما هي ، عدم احترام قوانين المرور ، عشوائية الشارع ، الزباله ، ومازالت اللحوم تعلق خارج المحلات يغطيها الذباب أحيانا يجاورها مقلب زباله .
نعم .. تقدمنا مع التكنولوجيا ولكن العادات والسلوكيات تحتاج التحضر السلوكي ، ما زال الفقر ، مازالت بقع الفساد والمحسوبيه تغرد بقبح وببجاحه. ولم ولن اميل ابدا للمدارس الخاصة أو الجامعات الخاصه فالتعليم والصحه ومجانيتهما لكل مواطن موضوع لا جدال فيه.
يا عزيزي القارئ فى وطني الغالي:
عندما انشر صور أو ڤيديوهات من البلد التي اعيش فيها ، انا لا اقصد بها المقارنه ، ابدا والله على ما اقول شهيد ، بل انقل صور وفيديوهات لحياة عشتها واعيشها لمدة 46 سنه ، هذه حياتي التى عشت جزء كبير منها (اطول من حياتي فى مصر) ، ولا اعرف غيرها ، وحاشي لله أن أكون متعنجها فالعنجهية لم تعرف طريقها إلى اخلاقى والحمد لله.
ولكن مهلا يا عزيزي :
مصر وطني ولا لي وطن غيره ، مصر هي ارضي وارض جدودى ، فى أحضانها مدفون أبى وأمي ، وعماتي وخالاتي ، واخوالي وأعمامي وجدودي ، مصر حيث يوجد أهلي واصدقائي ومهما طال الزمن لا ينافسها أي مكان مهما كان .. كوطن 
مصر وطن .. وجسدى فى الغربه ، وغربتي لا تعني غفلتي ، لأن الروح لما تغادر مصر الوطن .لذلك عندما يسألوني : لماذا تحب مصر ؟
اقول : ما اغباكم !! أتسألوني لماذا أتنفس
