الفصل الأول
جلست آلاء ليلا شاردة، تفكر، في امتحان الغد، أنه أخر امتحان لها في الثانوية العامة، عاما يعلم الله كيف مر، توتر، قلق، تلف أعصاب، وفراق؛ مات والدها قبل بدء الامتحان بأربعين يوم، رحيله مزق قلبها، كسر ظهرها، وأصبحت بلا سند، قاومت الحزن وعافرت من أجل والدتها والآن أحلامها تبخرت، الامتحانات خارج المنهج والأسئلة لا تحتاج تفكير ووقت فقط، بل عبقرية أينشتين وفرويد ونيوتن ودارون!
تتنهد بحزن مرددة:
- يعلم الله أن كل ورقة امتحان سلمتها في ثانوية عامة سلمت معها جزء من نفسيتي وصحتي، ومع كل صعوبة امتحان كان جزء من حلمي يضيع، فاللهم فرحة بالنتيجة ردّة فعلها سجدة.
وضعت الكتاب على المنضدة، ووقفت لعلها تستعيد حماسها وتجدد طاقتها، اتجهت نحو النافذة، تطلعت بنظرها نحو السماء، القمر شاحب والسماء غائمة، النجوم غابت، كأن الكون عقد اتفاقا مع حالتها النفسية، تتأفف من شدة الحر، ليالي يوليو الساخنة، الرطوبة عالية والجو خانق، كل شيء حزين، ليتها تنام قليلا، تنظر للكتاب، وتنعي حظها العثر، تردد بأسى:
- لم اكمل نصف المنهج، وأحتاج لكل ثانية، لا نوم الليلة، فنجان القهوة، أنه المنقذ الوحيد الآن!
في حماس، تتجه نحو المطبخ لإعداده، تشم رائحة البن، تتعجب، تجد والدتها بالفعل صنعت لها القهوة وأعدت لها بعض الفطائر.
قبّلتها شاكرة، واستقبلتها الأم بالدعاء، ذلك الدواء الذي يُسكن ألمها ويبدد يأسها، والابتسامة التي تجدد طاقتها وتحي أملها!
حملت فنجان القهوة واتجهت نحو غرفتها، ظلت تدرس حتى أذان الفجر، رن هاتفها، كان على الجانب الأخر خطيبها جلال، يذكرها بصلاة الفجر، داعيا لها بالنجاح والتفوق، تذكرت كيف كان بعقله ونضجه خير معين لها، ومشجع على الدراسة والاجتهاد.
وضعت الطعام لتلك العصافير التي أهداها لها، صلت الفجر ودعت الله كثيرا، ثم نامت.
في الصباح، بدأ اليوم الأخير من كابوس الثانوية العامة، طالبات وطلاب توجهوا للجان الامتحانات، بعضهم واجم، عابس الوجه، والبعض باسم، مستبشر، حتى لو أخفق في بعض الاجابات، فلينتهي هذا الكابوس، ومعه مارثون القلق والتوتر، ولتُقفل صفحته للأبد. بعد الامتحان، غادر الجميع اللجان وهم سعداء، بانتهاء عاما كان الأطول والأقسى عليهم وعلى أسرهم. أمام اللجان وقفت ألاء في انتظار السيارة، بعد أن هاتفها خطيبها ليطمئن عليها. ودع البعض اللجان بالرقص والهرج، والأغاني، والبعض اكتفى بعناق طويل ودموع، وأحضان طويلة متناسين الكورونا واجراءات الأمان، ودعن مدارسهن بذكريات حلوة ومرة وأحلام وألام سنوات الدراسة.
صفحة قديمة تُطوى، وصفحات جديدة على وشك البدء، يتمنى الجميع أن تكون أسهل وأجمل وعوضا عن تعب ومشقة دراسة دامت طويلا .
في مكان أخر تقف سلمى، في فناء المدرسة، حزينة، باكية، لا تودع مدرستها فقط، ولا زميلاتها، لكن تذكرت فرح- صديقتها- كم حلما معا بنهاية العام، وبداية الجامعة، لكنها ماتت، من كثرة الضغوط النفسية، وعبء المذاكرة، لم يتحمل قلبها الرقيق ونفسها الهشة، سقطت فجأة في لجنة امتحان مادة الفيزياء، رحلت إلى الأبد، فلا عودة لها، سوى في أحلام سلمى ودموعها حزنا عليها، ذكريات وكلمات تتردد على مسمعها، تبكي سلمى وحولها زميلاتها، يربتن على كتفيها، مهونين عليها مصابها وفقدها الكبير.
في مكان ثالث تجلس جاكلين مع صديقتها المقربة عائشة، تبث إليها حزنها، وعزمها على الخلاص من هذا العالم الظالم، والتحرر من عبث وفوضى النفس، بينما عائشة تبكي محاولة باستماتة إبعاد الفكرة عن جاكلين، ومواساتها، تمسك يديها بين قبضة كفيها، وهى تردد بعطف:
- استحلفك بكل غال، جاكلين لا تفعليها، لا تنتحري وتتركيني وحدي، أنتِ صديقتي الحبيبة، بل أختي، ورفيقة عمري، أقسم لكِ، أنا أيضا ذاب حلمي مثلما يذوب الجليد بحرارة الشمس، لكن لا جدوى من البكاء، ولا مفر من النواح و اليأس، قتل النفس محرم في كل كتاب من كتب الله، لا تفعليها من أجل الرب، جاكلين!
هزت جاكلين رأسها بحزن ودموعها تتساقط:
- الرب لا يرضيه الظلم الفاحش، والضغط المقنن الذي وقعنا تحته، هذه مذابح للنفس وهلاك لأحلامنا، وليست امتحانات أبدا، الرب لا يرضى ولن يغفر لهم، أريد أن أذهب إليه لأشكو له حالنا هذا!
عديني يا عائشة ألا تنسى دعائك لي، لا تنسي جاكلين، فأنا حية ما دامت عائشة تدعو وتصلي من أجلي، ولكنني أقسم لكِ أنني لا أستطيع المكوث هنا أكثر، لم يعد لي طاقة للتحمل.
أفلتت جاكلين يدها، وهربت عن عيون عائشة، متمنية أن تتلاشى للأبد. ما أن وصلت عائشة المنزل، ارتمت بحضن والدتها، منهارة، باكية، كانت ترتجف أوصالها.
حاولت والدتها تهدئتها، لمعرفة سبب كل ذلك، فقد حدثتها فور خروجها من اللجنة وأبدت رضاها عن الامتحان وسعادتها بانتهاء تلك الفترة العصيبة .
فتعجبت من حالتها التي يُرث لها، ربتت على كتفها ومسحت بيدها على رأسها بحنان؛ حتى هدأت قليلا، وبدأت الحديث:
- جاكلين يا أمي، جاكلين ..
صمتت قليلا، تنهدت ثم أردفت:
- ستنتحر جاكلين، أرجوكِ ساعديها يا أمي، افعلي شيئا .
قالتها وما زالت تزرف دموعها، وقلبها يأن وجعا على صديقتها!
ما إن أكملت عائشة كلامها، ارتدت والدتها ملابسها مسرعة، ورافقت عائشة إلى منزل جاكلين.
في الطريق تبادلا الحديث، وحاولت أمها إبعاد اليأس والحزن عنها، فربتت على كتفها بحنان، وقالت لها في ثقة:
- صغيرتي، أن الحياة عبارة عن مجموعة من التجارب الممتزجة، وحتى إن فشلت تجربة، فورقة امتحان الحياة مازال بها الكثير من التجارب، والتي قد يظهر أمامك أنها صعبة العبور، ولكن عوض الله يجعلك تعبرين منها بفضل صبركِ واحتمالكِ ورضاكِ بقدر الله، وفي نهاية هذه التجارب تشعرين أن فشل البعض منها ما كان سوى بلطف الله، وأنه قد اختار لكِ الأفضل والمناسب، ما دمتِ سعيتِ بدون تقصير! الكثير منا لم يختار نصيبه في هذه الحياة ولكن من رضى فله الرضا.
في المنزل، كانت جاكلين قد وضعت بجانبها ورقة كتبت عليها:
(إذا كان العمر يُقاس بالسعادة؛ فاكتبوا على قبري مات قبل أن يُولد!) وشرعت في تناول الحبوب المهدئة، تعالت رنات متتالية لجرس الباب، وتعالت معها نبضات قلب عائشة فى رعب وتوتر.








































